ليبيا .. آمال وقف الحرب وقيودها المحلية

30 اغسطس 2020
الصورة
+ الخط -

بينما تصدُر إعلانات مفاجئة لوقف إطلاق النار في كل عموم ليبيا، تنتشر مواقف أخرى تعيد الاعتبار للحرب والاحتجاج المطلبي، بشكلٍ يثير الانتباه إلى تحدّيات تواجه تثبيت السلم والانتقال السياسي، فإن التطورات اللاحقة تثير التساؤل بشأن ملاءمة البيئة المحلية للتفاهمات الدولية، حيث ثمّة جدل بأن طول فترة الحرب الأهلية راكم بيئةً غير قادرة على التكيف مع التوجهات السلمية، وتعزّز قدرتها على توفير الإمكانات اللازمة لتهيئة الظروف للتهدئة.

وفي ظل هيمنة الخلافات، يعد صدور بياني رئيس البرلمان في طبرق، عقيلة صالح، ورئيس حكومة الوفاق في طرابلس، فائز السراج، 20 أغسطس/ آب الجاري، في وقت متزامن، مثيراً للاهتمام، حيث يبدو نتيجة تفاهمات مسبقة فيما بين الدول النافذة في ليبيا، ما يمثل اختراقاً مهماً لم يشهده مشوار الأزمة الليبية، حيث سادت المخالفة والتباعد في المواقف السياسية ونفي الآخر، فمنذ اندلاع الحرب الأهلية، مايو/ أيار 2014، شكلت المناكفات قاعدة التعامل ما بين الأطراف المحلية والأطراف الدولية.

الملمح المشترك بين كل الأطراف يتمثل في عدم رغبتها في تغيير علاقاتها الخارجية والتوقف عند حالة الوضع الراهن

وباستثناء وقف إطلاق النار والمصلحة الوطنية، اختلف محتوى بياني عقيلة والسراج في النظر إلى القضايا التفصيلية، وخصوصاً المتعلقة بإدارة النفط وعوائده، وأيضاً، تعريف وقف الحرب في سرت والجفرة. وبينما سادت الخلافات مواقف الأطراف، ظهرت مطالب إبعاد المرتزقة والقوات الأجنبية ضمن البيانات الصادرة في هذه الفترة، بشكل القلق المتبادل من الاستعانة بمصادر أجنبية لأجل الحرب، غير أن المعالجة اقتصرت فقط عند انتظار نتائج اللجنة العسكرية المشتركة (5 + 5) ومن دون اتخاذ قراراتٍ للتعامل مع اتساع ظاهرة المقاتلين الأجانب، وتهريب السلاح، لعل الملمح المشترك فيما بين كل الأطراف يتمثل في عدم رغبتها في تغيير علاقاتها الخارجية والتوقف عند حالة الوضع الراهن.

وبينما تضمّن بيان عقيلة صالح صيغة سياسية لوضع سرت، محطة يتم فيها إعادة تعريف المؤسّسات الانتقالية، تشكيل المجلس الرئاسي، وهو تعبير يرتبط أكثر بحالة وقف إطلاق النار، فقد ذهب بيان السراج إلى أهمية تشكيل المؤسسات السياسية على المستوى الوطني، وفق قاعدة دستورية انتقالية لانتخاب سلطة تشريعية ورئيساً للدولة. وعلى الرغم أهمية إشارات بياني الرجلين إلى وقف إطلاق النار، فإنها تبدو نقطة جزئية مقارنة بقضايا أخرى، خصوصاً مع سرد تداعيات الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والتمويلية. وهنا، تبدو محاولة عقيلة صالح معالجة هذه المشكلات عبر ربط التصرف في العوائد النفطية بالتوصل إلى تسوية سياسية وإيداعها في مصرف الاستثمار الخارجي، فيما ترى حكومة الوفاق حصر قطاع النفط في المؤسسة الوطنية، ومن ثم المصرف المركزي. ونظراً إلى هيمنة قطاع النفط على الاقتصاد الوطني، تنقل إثارة التصورات المتباينة الصراع إلى نقطةٍ أخرى، يمكن أن تكون في صالح تحييد القطاع النفطي، غير أن التركيبة السياسية الراهنة تساعد على زيادة تقسيم المؤسسات، ويضع عثرات أمام فرصة تكوين سلطة انتقالية موحدة.

تتزايد احتمالات أن يشكل الوضع المؤقت لمدينة سرت نقطة خلافية

في هذه الأجواء، تتزايد احتمالات أن يشكل الوضع المؤقت لمدينة سرت نقطة خلافية، فمطالبة رئيس النواب باعتبارها مقرّاً مؤقتاً للمجلس الرئاسي بتشكيله الجديد، فإنه من ناحية، يعزّز استمرار الصراع حول سرت فترة طويلة سوف يرسخ عوامل الانقسام، ويزيد من الخلاف بين مكونات المناطق المختلفة. ومن ناحية أخرى، تثير هذه النقطة النقاش في مسألتي الفيدرالية والانقسام أو تحييد مركزية طرابلس. وتعد إثارة الجدل بشأن توزيع مقرّات السلطات العامة انعكاساً للرغبات الانقسامية، فعلى مدى السنوات السابقة، ظهرت اقتراحات وقوانين لتوزيع المقار الحكومية بين المدن الليبية، بحيث تكون الجهة التنفيذية في طرابلس والمحكمة العليا في سبها، أما بنغازي فتختص بالجهة التشريعية، وهي أفكار تتجاوز اللامركزية والفيدرالية.

وعلى مستوى مواقف المؤسسات الأخرى، على الرغم من عدم تعرّض المجلس الأعلى للدولة لقرار وقف إطلاق النار، فإنه يؤكد على مواقفه السابقة، 22 أغسطس، رفض الحوار مع اللواء المتقاعد خليفة حفتر، وأولوية إنهاء حالة التمرد في الشرق الليبي، وتأسيس الحوار على أساس اتفاق الصخيرات واستبعاد غير المشمولين به من الحوار، وتحييد قطاع النفط في الصراع السياسي، وأقام تصوّره لإنهاء المرحلة الانتقالية عبر الاستفتاء على مشروع الدستور. وكانت لافتة توصيته إلى حكومة الوفاق (بند 6) بالتركيز على قطاع الخدمات والمعيشة وإمداد الكهرباء، بالإضافة إلى بناء الجيش على قواعد واضحة. قد يعبّر موقف مجلس الدولة عن مساحةٍ مختلفةٍ في السياسة الليبية يتزايد قلقها من الاستبعاد السياسي، لكنه، على أية حال، يتبنّى مواقف مماثلة لحدّة مواقف خليفة حفتر ورغبته في استبعاد خصومه السياسيين.

تسبّبت الحرب الأهلية في تمزّق السلطة وانفراطها، بحيث يصعب بسط السيطرة على المكونات الاجتماعية والموارد المالية أو السلاح

وبالنظر إلى تعليقات "الجيش الليبي" (خليفة حفتر) على قرار وقف إطلاق النار، يمكن القول إن الميل إلى التشكيك يعكس القلق من الاستبعاد في المرحلة المقبلة، ومحاولة حجز دور ما، فيتضمن محتوى التصريحات إشاراتٍ متكرّرة إلى أن ما يحدث يمثل هدنة لا تمنع حشد قوات والإعداد للحرب، ما يعني أن نمط التفكير ينحسر في الحلول العسكرية العنفية، ويمكن وصفه متخلفاً عن مواقف رئيس مجلس النواب ورئيس المجلس الرئاسي. وبالتالي، يشكل هذا التفاوت تحدياً للمرحلة المقبلة، وخصوصاً ما يتعلق بعدم القدرة على تطوير الخطاب السياسي واتساع الخلاف بشأن الوضع في سرت.

وفي السياق، يكشف انقطاع التنسيق بين عقيلة صالح وحفتر عن جانبٍ من تفكك "الحكومة المؤقتة (برئاسة عبدالله الثني)، فقد صارت هذه تتحدّث بأصوات متعددة، فبينما كان حفتر يهيمن على السياسة في الشرق الليبي، فالظهور الأخير لرئيس مجلس النواب يعيد ترتيب هيكلية النفوذ في شرق ليبيا، فهزيمة حملة حفتر على طرابلس توفر سبباً كافياً لاستبعاد الحل العسكري وداعميه، لكن هذه التطوّرات لم تمنع حفتر من محاولة الظهور لتطوير موقعه السياسي عبر عدم الاعتراف بالتطورات الجارية، واعتبارها هدنة للحشد العسكري. 

وفي سياق التفاعلات الاجتماعية، توضح التعليقات على مظاهرات طرابلس، 23 أغسطس/ آب الجاري، وجود توجه إلى إثبات انتهاك حكومة الوفاق حق التظاهر، وعدم قدرتها على تسيير الشؤون العامة. وتشير التداعيات المصاحبة للمظاهرات إلى وضوح تنافر سلطات الدولة، بشكل يعبر عن جانبٍ من تحديات تثبيت وقف الحرب.

تحدّيات مفزعة تحول دون حشد مكونات الدولة وراء القرار السياسي

وكانت لافتة مسارعة البعثة الأممية، 24 أغسطس/ آب، إلى اتهام حكومة الوفاق بسبب استخدام القوة المفرطة في قمع المتظاهرين، وهو موقفٌ يميل إلى الضغط على حكومة الوفاق. وفي السياق ذاته، تلقف فريق حفتر الأمر، وجرى تصويره انتهاكاً لحق التظاهر، وبمقاربة هذه المواقف، يمكن القول إن تماثل التعليقات يعطي انطباعاً بتساند مهددات وقف إطلاق النار، فالبيانات الصادرة في هذا الاتجاه تركز على أعراض الأزمة السياسية، مطلب المتظاهرين، وتعمل على تغذيتها، فيما ينحسر اهتمامها بالمشاركة في الحل السياسي.

وبشكل عام، بينما اقتصر بيان حكومة الوفاق على وقف إطلاق النار والإشارة المحدودة إلى الانتقال إلى الوضع الدستوري، فإن تناول البيانات الأخرى مطالب أساسية، تتعلق بالسلطة وتتقاطع مع شكل الدولة، يتجاوز الترتيبات العسكرية في المنطقة الوسطى، ويجعل وقف المعارك مسألة هامشية مقارنة بالقضايا الأخرى. وهنا، يمكن الإشارة إلى احتمالية أن يصبح الوضع في سرت محور الجدل السياسي، بشكلٍ يمهد لتعزيز مكانتها مركزا إداريا وسياسيا محايدا وحلاً وسطاً للخلاف بشأن المؤسسات السيادية ومشكلات انحراف التنمية.

يمكن النظر إلى بياني وقف إطلاق النار  أنهما استجابة لتفاهمات دولية لمنع انخراط دولي أكثر في الأزمة

على أية حال، يمكن النظر إلى بياني وقف إطلاق النار على أنهما استجابة لتفاهمات دولية لمنع انخراط دولي أكثر في الأزمة الليبية. وهنا تكمن مخاطر المرحلة الحالية، متمثلة في صدور بياناتٍ متعدّدة تعكس تمسّك النخب الحالية بمواقعها ومطالبها المزمنة. وبهذا المعنى، تقدّم التدخلات الخارجية مساهمةً محدودة، يتوقف أثرها عند مستوى إعلان وقف النار، ومن دون التطلع إلى تهيئة البيئة الليبية للحل السياسي.

وعلى المستوى المحلي، واضحٌ أن مواقف الليبيين تتشكل في ظل تداعيات أزمة السلطة وفشل الدولة، فقد تسبّبت الحرب الأهلية في تمزّق السلطة وانفراطها، بحيث يصعب بسط السيطرة على المكونات الاجتماعية والموارد المالية أو السلاح، وقد صارت هذه المشكلات تحدّياتٍ مفزعة، تحول دون حشد مكونات الدولة وراء القرار السياسي. وهنا، يمكن الإشارة، بشكل واضح، إلى التداخل بين المسلحين والسلطات العامة وإرباك قطاع النفط وإمدادات المياه إلى المدن، بشكلٍ يكشف عن انهيار الاقتصاد السياسي، لوجود السلطات المقسّمة على الأراضي الليبية، ولذلك تظل إعلانات وقف إطلاق النار تعبيراً عن رغباتٍ خارجية، لا تلقى بيئة محلية مواتية.