لو نقرأ كاملة شمسي

27 سبتمبر 2019
الصورة
+ الخط -
تبدأ رواية الباكستانية البريطانية، كاملة شمسي (1973)، "نار الدار" (ترجمة الحارث النبهان، دار التنوير، بيروت، 2018)، بمشهد بطلتها، عصمة (أو عصمت) في المطار في لندن، لتغادر إلى نيويورك، لإنجاز دكتوراة في جامعة أميركية، ولكنها تفاجأ باستجوابها ساعتين قبل سفرها. وبعد سؤالها عمّا إذا كانت ترى نفسها بريطانية، وهي المسلمة من أصل باكستاني، وتجيب بأنها عاشت "هنا" طوال حياتها، تُسأل عن آرائها في غير شأن، الشيعة والملكة وغزو العراق والمثليين، "مسابقة الخبازين البريطانيين"، منفذي التفجيرات الانتحارية، مواقع المواعدة على الإنترنت. .. وأيضا إسرائيل. لا تسترسل الرواية، في مفتتحها هذا، في بيان آراء بطلتها في هذه الموضوعات، وإنْ ترمي إشاراتٍ مقتضبةً عمّا أجابت به. ومن ذلك "عادةً ما يسبب احتلال بلد آخر مشكلات أكثر من المشكلات التي يحلها.. وهذا ما يصحّ على العراق وعلى إسرائيل"، و"قتل المدنيين أمرٌ خاطئ، ويصحّ هذا بالتساوي على قتل المدنيين في تفجير انتحاري، كما على قتلهم في القصف الجوي، أو بطائرات من غير طيار". 
كأن كاملة شمسي كانت تبث بعض قناعاتها هنا، ثم تغادرها إلى المشاغل المركزية للرواية، وأبرزها التعبير عن تصوراتٍ متصادمةٍ، وأخرى متحاورة، بشأن الانتماء والهوية، وأسئلة التاريخ وضغط الماضي على الحاضر، وكذا الصلة الراهنة، الموصوفة بالتعقيد، بين الشرق والغرب. تفكّر البطلة هناك في أميركا بأخيها الذي "يجاهد" في سورية، وعندما تتحدّث عنه إلى الشاب الذي أحبّته ورأته أملا في حياتها، وهو من أصولٍ باكستانية أيضا، يُصاب بالفزع، قبل أن يستوعب الأمر. وهذه واحدةٌ من مسائل الرواية التي نسجت فيها شمسي علاقاتٍ متشابكةً، وإحالاتٍ إلى أُسرٍ ومهاجرين، وكذا إضاءاتٍ على التساؤل، القلق والإشكالي، بشأن المسلمين المهاجرين. وإذ تتصدّى شمسي، في "نار الدار" لالتباسات الهوية والانتماء والولاء، وتُغامر بعيدا في هذا، سيما وهي تختار الشخصية المركزية لروايتها ابنةَ شخصٍ له تاريخ جهادي، ومات في الطريق إلى غوانتنامو، فإنها في روايتها "الظلال المحترقة" (ترجمة إيمان حرز الله، دار بلومزبري، مؤسسة قطر للنشر، 2012)، طافت في صراعاتٍ أخرى، ذهبت إلى ناغازاكي اليابانية، لمّا ضربتها القنبلة الذرية. ثم مضى مسار الزمن الروائي، ومعه الواقعي، فجاء على التوتّر الديني في الهند، إبّان انسلاخ دولةٍ للمسلمين صار اسمها باكستان، وصولا إلى ما بعد "11 سبتمبر"، وذلك كله بعد عبور شخصيةٍ رئيسيةٍ في الرواية، وهي يابانية، إلى الهند والزواج هناك، ثم تقيم في باكستان. ولأن الوقائع غزيرةٌ في هذه الرواية التي وُصفت في صحفٍ أميركية وبريطانية بأنها عملٌ "هائل" و"يخطف الأنفاس"، فإن المُراد هنا هو تأشيرٌ إلى إتقانٍ عالٍ، في محكيات كاملة شمسي المتدافعة في سردٍ ثقيلِ القيمة، ومتنوّع المناخات في 480 صفحة، من حيث تظهير الأنفاس الإنسانية القادرة على تجاوز الثقافات والجغرافيات والأعراق، سيّما في التعبير الفني، بتشويقٍ قصصي، عن مقاومة كل ما هو مضاد للإنساني، العام والفرداني.
الدعوة هنا إلى قراءة كاملة شمسي، صديقة فلسطين وشعبها وقضيتها، المناهضة لإسرائيل، وإلى معرفةٍ أوثق بأدبها وجميع أعمالها، وبأطروحتها الثقافية. لم يكن لاسمها أن يحضر في بعض صحافاتنا الثقافية العربية، أخيرا، لولا سحب لجنة تحكيم جائزة ألمانية منها، في فعلةٍ مُخزية، بعد أن بلغها أن شمسي "تشارك في الحملات الداعية إلى مقاطعة الحكومة الإسرائيلية"، ما يعني، بحسبها، تَعارُض هذا الموقف مع أهداف الجائزة التي تنصّ على "إعلان وتجسيد المصالحة والتقارب بين الشعوب والثقافات". ومن غرائب اللجنة غير النزيهة أنها منحت الجائزة المستحقّة للكاتبة لأن رواياتِها "تبني جسورا بين المجتمعات والثقافات"، وهذا حقيقي، ثم غاب عنها أن شمسي، في نشاطها في مقاطعة إسرائيل، إنما تنسجم مع المضامين الرفيعة أخلاقيا وإنسانيا في أدبها.. وكان عظيما من الكاتبة المحترمة أن تعقّب على هؤلاء بأن فعلة أعضاء اللجنة أحزنتها، عندما استسلموا لضغوط، وإنه مثير للغضب أن يصفوا حركة مقاطعة إسرائيل ظالمةً .. لم تكن كاملة شمسي في حاجةٍ إلى تقدير هؤلاء، وقد ناصرها أكثر من ثلاثمائة كاتب في العالم، في بيانٍ قالت "احتفالية مهرجان فلسطين للأدب" إنه "أكبر تضامن تاريخي مع كاتب".