06 اغسطس 2020

وكأن قدر تركيا، أن تبقى موضع استهداف، إلى أن تدخل نادي العشرة الكبار وتعلن عن امتلاك قوة أكبر من الطائرات المسيّرة والـ"إس 400"، فيتوقف، أو يخف على الأقل، السعي المحموم، عربياً ودولياً، للنيل من حلمها الاقتصادي، خلال مئوية تأسيس الجمهورية عام 2023، إن لم نقل أكثر، ونأخذ امتلاك عوامل القوة جميعها باعتبارنا، وكأن تركيا أمام إحياء الإمبراطورية، منذ عثمان بن أرطغرل إلى ما قبل مصطفى كمال أتاتورك.

بيد أن هاتيك الأحلام التي تعدت حدود الدولة، عادت لتصطدم باتحاد القارة العجوز بعد خلافات غاز المتوسط، وتحرك دولي بقيادات "كاثوليكية" بعد قرار إعادة "آيا صوفيا" جامعاً، ما يجعل، بواقع ما نراه من ضغوط وتوترات مستمرة، حلم المئوية في مهب التأجيل.

ليأتي ربما، وباء كورونا، فيزيد من مخاوف تحقيق الحلم، بعد أن أرخى بتبعاته، على السياحة والتصدير، قائمتي الحلم، وترك من الآثار، على الاقتصادي والمجتمعي، بعد خسارة الليرة أكثر من 15% من قيمتها وقفز الدولار الأميركي إلى أكثر من 7 ليرات، ما يجعل التحدي أصعب بعد معاناة جلّ الأتراك من تكاليف المعيشة والغلاء.

قصارى القول: على الأرجح، الليرة هي الخاصرة التركية الأكثر رخاوة، فسبق أن لدغت أنقرة منها مراراً، إن خلال وإبان الانقلاب الفاشل عام 2016 وقت هوت لأول مرة دون 3 ليرات مقابل الدولار، أو خلال استثمار الخلاف الأميركي التركي على خلفية القس "روبنسون" حينما كسر الدولار في نيسان العام الفائت، حاجز السبع ليرات، ولم تزل العملة منذ ذاك، تئن وتقاوم على هذه العتبة.

ولعلّ ما يلوح بالأفق اليوم، إنما يرشح مزيد رخاوة لتلك الخاصرة المكشوفة، التي لم تسعفها المحاولات الكثيرة، إن على صعيد تخفيض سعر الفائدة أو التعامل مع شركاء بالعملات المحلية، ولا حتى ما قيل عن دعم أصدقاء، من ضخ دولاري مباشر بالسوق التركية. 

إن استحقاق حجم الديون الخارجية التي ارتفعت إلى 431 مليار دولار، نسبة حصة الدين الحكومي إلى الناتج المحلي الاجمالي أكثرمن 33%، وتأمين نحو 164 مليار دولار مستحقة الدفع خلال 12 شهراً، سيزيد من رخاوة تلك الخاصرة، إثر الخلل بالمعروض النقدي إن أقدمت تركيا على التسديد، أو لن يمنح الخاصرة صلابة، إن جنحت تركيا لإعادة جدولة الديون وما يمكن أن ينعكس إثر ذاك، إن على مستوى فوائد إضافية أو حتى تشكيك دولي واحتمالات تخفيض التصنيف الائتماني جراء مخاطر التمويل الخارجي.

لنأتي بواقع هذه المخاطر إلى نهاية القول وطرح سؤال، ما الحل الممكن، بعيداً عن الأماني أو التعويل على سياحة وصادرات، على الأقل، الشريك غير جاهز لإتمام تحقيقهما.

بمعنى، إن كانت تركيا قد جهزت كل ما يلزم للسياحة الآمنة، فهل لم تزل السياحة أولوية لدى مترفي العالم، وإن دارت عجلة الانتاج التركي، فهل هناك مستوردون اليوم لمنتجات يمكن تأجيلها بواقع المخاوف العالمية من موجة وباء ثانية، قد تكون فيها الأولوية، للغذاء ووسائل الحماية والبقاء.

إذاً، قد يكون الحل أبو بعضه الآمن، من باب العقارات، بعد أن فلت هذا القطاع من فخ كورونا، ونما خلال ذروة الإصابة، بأكثر من 32% وعرف صناع القرار، أن العقارات كلمة سر مثمرة، تضمن تحريك السوق عبر تشغيل مئات المهن وتعيد تمركز السيولة وتشغيلها، فأصدروا تسهيلات وقروضاً ميسرة، دفعت الأتراك ورغم تراجع الدخول، للتهافت على اقتناء المنازل.

ليبقى الشق الثاني من كلمة السر، معطلاً حتى اليوم، وهو الإقبال الخارجي على قطاع قاطرة، ربما يبدل من الخطط ويبدد كثيراً من المخاوف.

وعن الـ"كيف" بالمسألة، فبرأينا تتأتى عبر ثنائية، طرفها الأول السماح للسوريين بالتملك بتركيا، وما يمكن أن يغيّر هكذا قرار من ملامح قطاع العقارات وربما من الاقتصاد برمته، فثمة مئات آلاف السوريين، سواء المقيمين بتركيا أو خارجها، يتحينون الفرصة لامتلاك عقار بتركيا بعد شبه تلاشي الحلم بسوريتهم، بيد أن قرار "المعاملة بالمثل ومنذ 1923" يحول دون تملك السوريين.

وأما الطرف الآخر، فهو تخفيض قيمة لقاء منح الجنسية الاستثنائية، سواء للمودعين المحددة بـ500 ألف دولار، أو لشراء العقارات المشروطة بـ250 ألف دولار، ففي هكذا قرار، ربما ضربة غير متوقعة لمن يراهن على تشويه سمعة تركيا وقيادتها من باب الليرة أو يضارب ويسيء للاستثمار والسياحة، وجذب للقطع الأجنبي وتوازن بالسوق النقدية، في آن.

فأن تخفّض أنقرة قيمة العقارات لقاء الجنسية إلى 150 ألف دولار مثلاً، فإنما ستضرب سرب عصافير بحجر واحد، إن بدأت بتنشيط قطاع العقارات، لن تنتهي عند كسب أموال ومستثمرين وطاقات بشرية...وانتعاش لليرة.