لويس سيبولفيدا.. رحيل في آخر منفى

21 ابريل 2020
الصورة
لويس سيبولفيدا في سانت نازا بفرنسا، 2019 (Getty)
+ الخط -

في طابور الطعام الطويل، وتحت حراسة رجال أمن غلاظ الهيئة، ميكانيكيّي العقول، يحرصون على المسافة الآمنة بين المصطفّين، ها أنذا أتلقّى الخبر من الرفيق السلفادوري غونزالو: مؤلّف "رجل عجوز يقرأ روايات الحب" يغادر عالمنا، بعد سبعة أسابيع من إصابته بفيروس كورونا، هناك في أوفييدو، في المستشفى الجامعي المركزي لإقليم أستورياس.

أخرج من الطابور، وأعود مع غونزالو، الخمسيني أُمميِّ المودة، لنجلس على كرسي ثلاثي يواجه ساحة العشب الكبيرة، وقد حوّطت بأشجار الكرز، كيما نصفن في ازهرارها الربيعي ونسترجع:

عام 1977، يغادر الشاب التشيلي لويس سيبولفيدا مسقطَ رأسه، وهو في سنّ الثامنة والعشرين، بعد سَجن وبهدلة وملاحقات، أعزل، إلّا من مبادئ "الرفيق" الحالم وحساسية الأديب، هارباً من واحدة من أعتى ديكتاتوريات القارّة الجنوبية بقيادة أغوستو بينوشيه.

بعد رحلة طويلة عبر بلدان أميركا اللاتينية، تضمّنت مشاركته في الثورة الساندينية في نيكاراغوا (كان أيضاً في الأرجنتين وبيرو وكولومبيا وأوروغواي والبرازيل)، ينتهي به المطاف عام 1997 إلى الإقامة الدائمة في مدينة خيخون شمال إسبانيا. سيبولفيدا الذي لطالما قال إنه وُلد "أحمر، بالفطرة. أحمر جدّاً"، كان قد حارب في مختلف التشكيلات الشيوعية والاشتراكية اللاتينية، لكنه انتهى دائماً، مثل جميع الناس الطيّبين، بما هو أكبر من "خيبة الأمل". خيبة دفع ثمنها غالياً، فكان أن أمضى الـ 52 عاماً الباقية من عمره متنقّلاً من هذا البلد إلى ذاك، في شَسَاع قارّتَين، وفي جميع الأحوال، متشرّداً في المنافي.
وداعاً لويس سيبولفيدا كالفوكورا، إذن!

من (أوفال، شمال تشيلي)، كنتَ بدأتَ عام 1949 ـ وها أنت تنتهي عن سبعين عاماً في آخر منفى.

ترحل، في زحمة وباء عالمي، وكنت، للمفارقة، أوّلَ مَن أُصيب به في الإقليم، ومن الأوائل في إسبانيا، بعد عدوى أصابتك في لشبونة.

ترحل بصمت مخنوق، بعيداً عن وطن الخفقة الأولى والمنطوق الأول: وطن كان في خضم اجتراح ثورة جديدة ضدّ خلود الظلم: ضد من سرقوا الهواء وخصخصوا الماء، من جعلوا الفقراء يكرهون الفقراء بإخلاص.

- وطن، ها هو يصمت، بفعل القمع لا الفيروس، مخلّفاً وراءه خيبة أمل أخرى.
ترحل، بعد أن قلت، ونحن صدّقنا، إن الرواية الجيّدة عبر التاريخ هي رواية الخاسرين (فالفائزون يكتبون روايتهم الخاصّة، دوماً)، وبناء عليه، لا بد للروائي من أن يكون لسان حال الخسران ولا بد من أن يروي القصة.

وداعاً، وقد رأيتك ـ أم تُراني أتخيّل ذلك؟ ـ ذات ليلة من ليالي برشلونة العامرة، في محتشد ثقافي، في أمسية صيفية، ولربما سلّمت عليك؟

وداعاً أيها "الكمارادا" صاحب الدمعة القريبة والقلب ناصع البياض، مثل زهرة الكرز خماسية البتلات هذه، التي تفتّحت قبل أيام، ونراها تسقط الآن، أمامنا، بصمت، هي أيضاً.

وداعاً لقلبك المكسور والمعطوب، فما من نجاح يُطبّبه وما من تألّق، ولكم أصبتهما، عبر ثلاثين كتاباً، عن جدارة واستحقاق.


* شاعر فلسطيني مقيم في برشلونة

المساهمون