لوحة زهير دباغ : اكتفاء العناصر بذاتها

05 مايو 2017
الصورة
(من لوحات المعرض)
+ الخط -
يحضر زهير دباغ في هذا المعرض فناناً له باعٌ في حقول فنية متعددة. نحاتٌ لا خلاف على مهارته وبراعته وإن كانت الأعمال القليلة التي يقدمها للمشاهدين غير كافية لتشكل صورة وافية عن سيرته مع المعادن. وحواراته المستجدة مع الطين والتي أثمرت رقاقات فاتنة تقف في منطقة وسطى بين المنحوتات الصلبة واللوحات المرسومة، لم تحسم وجهتها بعد.

علينا القول إننا في رحاب زهير الرسام أولاً، والأعمال الأخرى المصاحبة للوحاته، لها دور مساعد في إضفاء ملامح جديدة على اهتماماته وشواغله كما لتعميق فهم رؤية الفنان الشاملة.

تكاد لوحة زهير دباغ أن تكون مكتفية بذاتها لا تحيل خارج إطارها إلى أي مرجع. تكتمل في اللحظة التي استقرت عليها ولا تسعى إلى سرد ولا تطمح إلى التأشير إلى حادثة أو أسطورة أو تاريخ. تستمد طاقتها الإيحائية من عناصرها الذاتية المحضة. وهي بذلك تشكل احتفاءً فنياً خالصاً. واللحظة التي تمسك بها وتعرضها على المشاهد هي لحظة دافئة وعلى قدر من القلق، إنها تحضر كهدنة مؤقتة إثر اشتباك بين عنصرين، ليسا هذه المرة، الشكل واللون، العنصرين الماديين الضروريين في كل لوحة. بل، أبعد من ذلك، هو اشتباك بين الشكل باعتباره حضوراً صارماً محدد الملامح وكتلة قارّة ملتفة على ذاتها، وبين اللون، ليس كهوية لها طاقة تعبيريّة، بل باعتبار قدرته على السيلان والتدرّج وإنتاج الشفافية، أي كل ما يتعارض مع الشكل الصريح. لهذا، فلوحة دباغ متقشفة الألوان، لا تضعه في سياق الفنانين الملونين بقدر ما تموضعه بين الفنانين المكوّنين والديناميين.

لوحته تفضح فيه طاقتين متوازيتين: النحت والرسم، وسعيه الى جمعهما في حدودهما القصوى من تنازع الحضور يشكل عصب ممارسته التشكيلية وفي هذا ما يمنح لوحته مشروعيتها من الخصوصية والفرادة.

الأشكال التي نتحدث عنها هي الشخوص التي تحضر في كل الأعمال بأشكالها ونسبها الموضوعية وبخطوط تستدق أحياناً وتتمهّل أحياناً أخرى عند التفاصيل، وإن تأسلبت في بعض المواضع فمن دون مغامرات كبيرة. شخوص تشبه الخطاطات تجلس أو تقف بأوضاع مختلفة، وعالمها المحيط لا يتجاوز الكرسي أو الطاولة أو أياً من الأشياء الحميمة اللصيقة بأبدانها. متقشفة وعارية من الإشارات التشكيلية الدالة على زمن أو بيئة أو حكاية، مما يساهم في عزلتها عن أية مرجعية خارج اللوحة. تشكل هذه الشخوص كتلاً مستقرة في عالم ضيق عليها يتوقف دور زهير النحات. خيال النحات المنشغل بالأشكال الصريحة وبالشخوص على العموم وبالغياب الحاسم لعالم الطبيعة الرحب. في هذه الأعمال نواجه شخوصاً شاردةً كأنها في قاعات أو على مسارح أو تقيم في زوايا تنتظر أدوارها في الكواليس.

الشخوص والأشكال الصريحة التي تشكل الطاقة الموجبة في العمل المنحوت، باعتبار الطاقة السالبة التي تدخل معها في جدل هي الفضاء المحيط، أزعم أنها هنا تتحوّل إلى طاقة سالبة وينقلب دورها رأساً على عقب.

يدخل اللون في لوحة دباغ مشاكساً. فهو عنصر قلق وتخريب لعوامل الجمود والاستقرار أكثر مما هو عامل تمييز للأشكال أو عنصر مضيف لمعنى تتيحه هويته الخاصة أو لاعب دور تكويني حاسم في عمل يقوم عصبه على التلوين. يأتي قوة موجبة تشتبك مع الأشكال لتُدخلها في مسارها وفي ثنايا اندفاعها وسيلانها فوق السطح وليس ليكون خلفية لها تدعم استقرارها وتؤكد حضورها المستقل والصارم. لا يعرف المشاهد، وقد لا يكون مهماً أن يعرف، ما الذي يحضر أولاً من هذين العنصرين أو كيف يحضران وكيف تتكوّن الطبقات وتتراكم بين يدي الفنان قبل أن يمهر العمل بتوقيعه. ولكن من الملاحظ بوضوح أن هذه الطبقات تتشكل في هذا الفضاء من التنازع والاشتباك والجدل.

للخطوط في معظم هذه الأعمال دور فاعل في تأكيد بعض المسارات التي يجرفها اللون في اندفاع تفشياته العفوية الطليقة أو سيلانه الجارف. يمر الخط برشاقة كأنه يضع بين زهير النحات وزهير الرسام حداً شفيفاً. أو كأنه ينسج مساحة للإلفة بين المشتبكين من ألوان وأشكال بحيازته خاصيتين، النحالة والليونة. فالخطوط الناحلة التي تخرق المساحات الملونة لتعاكس اندفاعتها، تمنع خاصيتُها الرشيقة، بالمقابل، إحداث شرخ في التعايش بين المكونات. إذ تخلق انزياحاتها الذكية والمقصودة عن الكتل الصلبة، كما تقطعاتها الغنائية واختفاءاتها المرنة منطقة تأتلف عندها التعارضات لتمد العمل بعنصر إضافي مساعد على التماسك والوحدة.

يستثمر الفنان الإمكانية التي تتيحها عمليّة التلوين ويتوسّع فيها من عمل لآخر ـ يشهد على ذلك سياق إنتاجها المتتابع ـ فقد بلغت الشفافية أحياناً حد التناغم مع أرضيّة اللوحة الخام، وبلغت كثافتها في أحيان أخرى، حد مزجها بمواد خشنة أو حتى بإضافة خامات بملمس مختلف عن الخامة الأساس، لكي يسمح للّون بإنتاج تفشيات جديدة وبالتالي إنتاج إحساس مختلف وخلق عمق جديد داخل التأليف. ويقوم التلوين في جميع الأحوال، ببث التوتر بين الأشكال المستقرّة، وبربط العناصر المتفرّقة أحياناً وشدّها ضمن علاقة تكوينية ذات بعد تجريدي.

لوحة زهير دباغ في المحصّلة، هي رغم إيحاءاتها، لوحة أثر، أي يقوم جانب كبير من جاذبيتها ومتعة مشاهدتها على متابعة الملامس وكيفيّة تواشج طبقاتها ومتابعة سطحها كحقل لممارسة الفعل اليدوي الخلّاق.


* يفتتح معرض الفنان في السابعة من مساء اليوم في غاليري "آرت أون 65" في بيروت، ويستمر حتى السابع والعشرين من الشهر الجاري.

المساهمون