لوائح شعبوية في البرلمان التونسي

13 يوليو 2020
الصورة

نواب في جلسة للبرلمان التونسي لمناقشة اقتراح بشأن الاستعمار الفرنسي (9/6/2020/الأناضول)

البرلمان في الدول الديمقراطية مؤسّسة مدنية منتخبة، وهيئة تشريعية وازنة، تمثّل الناخبين، وتعبّر عن إرادتهم، وتضطلع بعدّة أدوار مهمّة، من قبيل مناقشة المبادرات التشريعية، وسنّ القوانين أو إلغائها أو تعديلها، والتصديق على الاتفاقيات أو الاعتراض عليها، ومراقبة الأداء الحكومي ومؤسّسات الدولة. ومن أولويات مجلس النّواب تمثيل الشعب أمام السلطة التنفيذية، والدفاع عن حقوق الناخبين، والعمل على تحقيق مطالبهم، وتحسين معاشهم، وتسهيل إدارة شؤونهم في كنف الشفافية، والنزاهة، واحترام القانون. ويعدّ البرلمان من مكاسب تونس الحديثة، وغلب عليه بعد الاستقلال اللون الحزبي الواحد، وظلّ على امتداد عقود ظلّاً للنظام الرئاسي، وخاضعاً لهيمنة رئيس الجمهورية ومبرّراً لتوجّهاته. ثم بعد الثورة أصبح البرلمان تعدّدياً، وغدا ركناً متيناً من أركان السلطة في البلاد، وساهم في تأمين العبور من حقبة الدولة الشمولية إلى عصر الدولة الديمقراطية، وصاغ نوّاب الشعب دستور الجمهورية الثانية (2014) الذي منح البرلمان صلاحيات تشريعية ورقابية وتمثيلية مهمّة، وهو ما عزّز الديمقراطية التشاركية والتوازن بين السلطات. لكنّ المشهود في المدّة الأخيرة نزوع بعض الكتل النيابية إلى إغراق المجلس بمناقشة لوائح سياسية، خلافية، ليست على علاقة مباشرة بهموم التونسيين وشواغلهم اليومية. بل تحمل طيّها خلفيات أيديولوجية، وحسابات حزبوية، وغايات شعبوية، وهي لوائح تستهلك الجهد والوقت، وتعطّل عمل البرلمان، وتنزاح به عن وظائفه الأساسية لتغذّي الاستقطاب، والتنافر، والتنافي داخل الاجتماع السياسي التونسي.
من بين اللوائح الخلافية التي أثارت ضجّة في البرلمان، وخلّفت حالة من الاحتقان داخله وخارجه، يمكن الوقوف عند ثلاث: الأولى، متعلقة برفض التدخّل الأجنبي في ليبيا، وهي مقترح كُتلة الحزب الدستوري الحر. الثانية متّصلة بطلب الاعتذار من فرنسا لما ارتكبته من انتهاكات في حقّ التونسيين فترة الاستعمار وقدّمها ائتلاف الكرامة. الثالثة في المطالبة بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين منظّمةً إرهابية، وصدرت عن الحزب الدستوري الحر. وتلتقي هذه اللوائح، على اختلاف محاملها، عند إثارة مسائل جدالية، وعند مناورة طرف خارجي، تباين التونسيون في تقويم التعاطي معه. واللافت أنّ تقديم هذه اللوائح في هذا التوقيت ليس بريئاً. بل يرتبط بمستجدّاتٍ إقليميةٍ ودولية، وتوجّهه خلفيات أيديولوجية وانتخابية ورغبة في تسجيل نقاط على حساب خصوم سياسيين.

عبير موسى لم تتكلم عن حفتر عندما كانت كتائبه تقصف المواقع المدنية والعسكرية، بدعم من المرتزقة وجهات خارجية.

في خصوص لائحة المطالبة برفض البرلمان التونسي التدخّل الأجنبي في ليبيا، بدا واضحاً أنّ اللائحة تخالف من الناحيتين، الشكلية والمضمونية، الأصول الدبلوماسية ونواميس العلاقات الدولية. ذلك أنّها صدرت على خلفية الاحتجاج على إبرام حكومة الوفاق الوطني اتّفاقية تعاون دفاعي وبحري مع تركيا، وهو قرار سيادي وشأن داخلي ليبي، يندرج ضمن الخيارات السياسية، والدفاعية، للدولة الليبية. وليس من صلاحيات البرلمان التونسي التدخّل في شأن سيادي لدولة مستقلّة، ذات سيادة. واللافت أنّ رئيسة الحزب الدستوري الحر، عبير موسى، لم تقدّم اللائحة المذكورة على امتداد عام ويزيد من هجوم كتائب اللواء المتقاعد خليفة حفتر على طرابلس، وقصف هذه الكتائب مواقع مدنية وعسكرية، بدعم من المرتزقة وجهات خارجية. بل قدّمتها بعد أن تأكّدت لها هزيمة حفتر في الغرب الليبي، وخسارته عدّة مواقع مدنية وعسكرية استراتيجية، فبدت منحازة على كيف ما إلى معسكر عملية الكرامة، ومحور الدول المضادّة لحكومة الوفاق الوطني المعترف بها دولياً. ومعلوم أنّ هذا التوجّه يزجّ تونس في حمأة صراع المحاور الإقليمية والدولية على ليبيا، ويضرّ بمصالح تونس الخارجية. والمرجّح أنّ رئيسة الحزب الدستوري الحرّ، وهو سليل الحزب الواحد الحاكم قبل الثورة، كانت تسعى، من خلال حرصها على تقديم اللائحة وتجييش الإعلام وتجميع بعض الأحزاب حولها، إلى تحقيق هدفين: إحراج رئيس البرلمان راشد الغنّوشي، وتصفية حسابات سياسية قديمة معه باعتباره مناصراً للثورة، وأحد رموز مواجهة الدكتاتورية، والتشنيع به ومحاولة سحب الثقة منه بحجة اتّهامه بالعمالة للخارج على خلفية تهنئته رئيس حكومة الوفاق الليبية فايز السرّاج باستعادة قاعدة الوطية، وإحراج المؤسّسة البرلمانية التعددية وإرباكها وتشويهها، لأنّها من مخرجات الثورة، ومن منجزات الديمقراطية التونسية الجديدة، وإظهارها في صورة المتساهل مع التدخّل الخارجين لأنّها رفضت التصديق على لائحة الحزب المذكور. ومن ثمّة، فمطلب عدم التدخّل في ليبيا جاء متأخّراً، وهو ليس من صلب الاختصاص الأصلي للبرلمان، ويبدو أنّه يصبّ في خدمة أجندة خارجية، ويصطفّ لطرف على حساب آخر في الأزمة الليبية، وتحكمه خلفيات حزبية وشعبوية.
في جلسة عامّة أخرى، حامية الوطيس، اشتدّ الجدل بشأن لائحة ائتلاف الكرامة، وفحواها مطالبة فرنسا بالاعتذار من الشعب التونسي والتعويض له، على خلفية ما لحقه من ضرر جرّاء الحقبة الاستعمارية، وهو مطلب مشروع، يعبّر عن تطلّعات معظم التونسيين، غير أنّه لم يجد التأييد الكافي من النوّاب، لأنّ بعض الأحزاب والشخصيات تربطها علاقات مصلحية بفرنسا، وغيرهم يقدّرون أنّها الشريك الاقتصادي الأوّل لتونس، ويخشون من تداعيات تمرير اللائحة على وتيرة التبادل التجاري بين البلدين، وعلى الجالية التونسية في فرنسا. وعدم حصول اللائحة على العدد الكافي من الأصوات للتصديق عليها، أظهر البرلمان مشتّتاً في مسألةٍ يفترض أن تكون مدار إجماع، وخلّف استياءً لدى طيفٍ معتبر من التونسيين الذين عدّوا ذلك إساءة إلى المقاومة الوطنية، وتفريطاً في حقّ سيادي. ونتج من ذلك انقسام داخل البرلمان وخارجه، وتبادل تهم الخيانة والعمالة والثورجية بين أنصار المبادرة ومعارضيها. وبدا ائتلاف الكرامة، بتقديمه ذلك المطلب، في موقع من يريد التعامل بندّية مع فرنسا، منسجماً مع أحد وعوده لناخبيه، حريصاً على استتباع مناصرين آخرين. ومع أهمّية تلك اللائحة، فإنّها لم تضف جديداً إلى ما قدّمته هيئة الحقيقة والكرامة من مطالب، وكان الأجدى تشكيل قوّة ضغط مدنية وبرلمانية لدفع الحكومة ومؤسسة الرئاسة إلى التفاوض مع السلطات الفرنسية لتنفيذ مخرجات الهيئة في هذا الشأن.

تستبطن لائحة الحزب الدستوري الحر الاتهامية رغبة في إلغاء حركة النهضة وزجّ أنصارها مجدّداً في السجون

وقدّم اللائحة الثالثة الحزب الدستوري الحرّ ومدارها مطالبة البرلمان بتصنيف الإخوان المسلمين حركة إرهابية. ونظر فيها مكتب المجلس النيابي مطلع شهر يوليو/ تموز الحالي، ورفض عرضها للنقاش في الجلسة العامّة للبرلمان، لما اعتراها من إخلالاتٍ شكلية ومضمونية، ذلك أنّها تروم زجّ تونس في الصراع الدائر بين النظام الحاكم في مصر وحركة الإخوان المسلمين، وتنزاح بالبرلمان عن دوره التشريعي، الرقابي، لتجعله محكمة موجّهة إلى إدانة حركة احتجاجية سياسية بتهمة الإرهاب، وهو شأن ليس من اختصاص البرلمان، بل من مشمولات القضاء. وتستبطن اللائحة رغبة في الوصل تنظيمياً وأيديولوجياً بين الإخوان المسلمين وحركة النهضة، بغاية إلغاء الأخيرة وزجّ أنصارها مجدّداً في السجون. ومفيدٌ هنا الإشارة إلى أنّ حركة النهضة قارعت الاستبداد طويلاً، كما فعلت أحزابٌ تونسية معارضة أخرى، ولم تدخل البلاد على ظهر دبّابة. بل انخرطت بعد الثورة في مشروع الدمقرطة، وانتظمت ضمن قانون الأحزاب المدنية، واحترمت قواعد التداول السلمي على السلطة، ولم تنفرد بالحكم، ولم تصل إليه بقوّة الانقلاب، ولا بسطوة السلاح، بل عبْر صندوق الاقتراع. ومحاولة استئصالها خيار إقصائي رفضته معظم الأحزاب الوازنة في تونس لما ينجرّ عنه من استقطاب واحتقان وظلم واستعادة لأجواء الدولة القامعة.

حركة النهضة قارعت الاستبداد طويلاً، كما فعلت أحزابٌ تونسية معارضة أخرى، انخرطت بعد الثورة في مشروع الدمقرطة

ختاماً، يُفترض في البرلمان التونسي أن يكون فضاءً لتمثيل المواطنين والتعبير عن مشاغلهم، وأن يكون واجهة الانتقال السياسي ورافعة الإصلاح التشريعي في البلاد. والعمل على إغراقه بلوائح شعبوية، ومناورات أيديولوجية، ومزايدات سياسية مشحونة بخطاب الكراهية والاستقطاب، والإقصاء والإقصاء المضادّ سيزيدان من الفجوة بين الطبقة السياسية وعموم المواطنين، وسيساهم في تعطيل العمل البرلماني وترذيله، وسيؤدّي إلى تيئيس كثيرين من الثورة والنّظام الديمقراطي. لذلك، أحرى بأعضاء البرلمان، التوجّه نحو بلورة برامج وخطط عملية لحلّ معضلات المجتمع التونسي (الفقر، البطالة، الأمّية، انتشار الجريمة...)، وصوغ لوائح وقوانين لمكافحة الفساد والمحسوبية والبيروقراطية، ولتجريم تبييض الديكتاتورية وتبخيس الثورة، والعمل على تطبيق مخرجات العدالة الانتقالية، وتنفيذ أحكام القضاء الإداري على نحوٍ يجعل المواطن يثق بمؤسّسات الدولة. ومن المفيد، في السياق نفسه، تعديل النظام الداخلي للبرلمان، خصوصاً الفصل الـ141 المتعلّق باللوائح، وفرض شروط مخصوصة لقبولها ومناقشتها. ومن المهمّ أيضاً بلورة مدوّنة سلوك يلتزمها النوّاب في علاقتهم البينية، وفي تواصلهم مع المواطنين، على نحو يضمن أخلقة العمل النيابي، ويجعل البرلمان الذي أنتجته الثورة في مستوى الآمال التي عقدها عليه المواطنون عموماً، والناخبون خصوصاً.