لن يأتي من برلين "الجديد"

31 أكتوبر 2019
الصورة
ماس: شرط نجاح قمة برلين تحييد القوى المتدخلة بالأزمة(الأناضول)
+ الخط -

كثيراً ما تداولت كتب التاريخ والآداب مقولة أرسطو الشهيرة "من ليبيا يأتي الجديد". واليوم يقلبها قادة الحرب في ليبيا، وهم يهمهمون بين بعضهم، قائلين: "ما فيش جديد من برلين"، "شنو جديد برلين؟"، وما إليها من صيغ الأسئلة التي لا جواب لها بينهم. بل إن مداخلاتهم في الفضائيات وتدويناتهم تؤكد أن مصيرهم بات رهين تلك المشاورات الخفية. فأحدهم وهو يجيب عن سؤال عن أسباب جمود جبهات القتال، قال إن الجميع يعوّل على برلين لوقف سيل الدماء!

لم يعد المبعوث الأممي غسان سلامة يخفيها، فقد أكد أن الصراع "حرب بالوكالة". بل الأكثر صراحة، دعوة بعض سياسيي الغرب للدول المنخرطة في ساحة ليبيا إلى إقناع شركائها المحليين باستحالة الحل العسكري، وأن عليهم القبول بـ"الصفقات السياسية". هكذا بهذا التعبير، بدلاً من التعبير السائد "الحل السياسي"، فالتحضيرات الجارية في برلين فضحت المستور، ولن يكون لـ"الشركاء المحليين" أي تمثيل فيها، ومن سينوب عن وكلائهم بالخارج. فماذا بعد؟

والسؤال الآن بلا مواربة ولا مجاملة: "لأجل مَن يقتل (اللواء المتقاعد خليفة) حفتر الليبيين بالليبيين؟"، و"لأجل مَن يتحكم (رئيس حكومة الوفاق فائز) السراج بمصير قوت الليبيين؟ وما حقيقة موقفه من حفتر؟". فقبل شهر ونصف شهر تقريباً، كان يعترض على دعوة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى "تقسيم الثروة في ليبيا بشكل عادل"، والسيسي من غير شك يقصد ريع النفط. والأحد الماضي يعلن رئيس مؤسسة النفط التابع للسراج من القاهرة عودة الشركات النفطية المصرية للعمل في ليبيا! والجميع يعرف أن عقود هذه الشركات تقع في أراضي سيطرة حفتر.

جديد برلين لا يبدو أن التهكن به صعباً. فرغم ادعاء وزير الخارجية الألماني هايكو ماس، من تونس الثلاثاء الماضي، أن شرط نجاح قمة برلين "تحييد القوى المتدخلة في الأزمة"، إلا أن ما تحاول برلين القيام به، هو التقليل من تناقض المصالح الإقليمية والدولية في ليبيا، والادعاء أن ألمانيا محايدة وتمتلك من الفرص والمكانة ما يمكّنها أداء دور الوسيط بين المتصارعين حول ليبيا، غير صحيح. أوليس الدبلوماسي الألماني مارتن كوبلر، الذي تولى رئاسة البعثة الأممية بين 2015 و2017، كان مقرَّباً كسلفه الإسباني برناردينو ليون، من دوائر السياسة الإماراتية، ولولاه لما فتح اتفاق الصخيرات للتعديل والتخريب، ولبقي صامداً وفُرض بالإرادة الدولية التي أجمعت عليه حلاً للأزمة في ليبيا. والعجيب أن هذا الإجماع الدولي هو ما تبحث عنه ألمانيا اليوم. لن يأتي جديد من ألمانيا لليبيا، كما لم يأتِ منها جديد في وساطتها بين إسرائيل والفلسطينيين، وبين إثيوبيا ومصر.

المساهمون