لنا وطن يعيش فينا

15 يونيو 2014   |  آخر تحديث: 22 يوليو 2020 - 05:54 (توقيت القدس)
+ الخط -
لن يفهم بعضهم ما سأقوله، ما لم يكونوا من أوطان "عتيقة"، بمدنها وشوارعها، بفقرها وغناها، بتنوع أطيافها وتلون أيامها، ما بين ربيع تطير فيه الفراشات في حدائق البيوت الصغيرة، بمساحتها الكبيرة بمحبة أهلها، إلى صيف حار من دون مكيفات، ثم خريف تبدأ فيه الحياة بالشيخوخة، إلى شتاء فيه المطر الذي يغسل الشوارع، وأحياناً كثيرة يغسل القلوب، لأن من عاش تحت المطر، لا بد أن يتبلل ببعض الدفء في قلبه.
لطالما ردد لساني مراراً وتكراراً "إني اخترتك يا وطني، فليتنكّر لي زمني ما دمت ستذكرني، يا وطني الرائع، يا وطني يا وطني الرائع، يا وطني". لكنني، في كل مرة، أردّد فيها هذه الكلمات، أشعر بالغصة والذنب، وحتى بالنفاق أحياناً، لأني لا أدرك عن أي وطن أتحدث. فمنذ أدركت أن وطني محتل، أصبح كل ما أعرفه أن وطني فلسطين، هذا هو وطني. لكنني لم أخترْهُ يوماً، بل إنّ روحي نفخت عبق ترابه وحبه في لحمي ودمي، عن غير قصد. فكيف لي أن أختار وطناً لا أعرف عنه سوى اسمه، وألوان علمه وقصص الألم والأسى التي تكاد لا تغادر بيتاً من بيوته. ومفتاح ثقيل يقبع في جيب جدتي منذ 66 عاماً؟ كيف لي أن أختار وطناً يعيش في ذاكرة جدي، سلسلة تراجيدية مليئة بالقهر والدم والتهجير والخيانة؟ كيف لي أن أختار وطناً، لم يورثنِ أرضاً، ولا زرعاً، بل أورثني عبارة "لاجئ"، وكتب في وصيته لي فصول معاناة طويلة من التهميش والتشرد والحرمان. وهجرني ورحل؟
أعيش في بلاد لا تحسن ضيافة الجار، ولا تصون كرامته، بل تسلبه حقه في أن يكون. بلاد مصابة بداء "اللاجوفوبيا" حيث ترفض كل "لاجئ" على أراضيها حتى إشعار آخر. أعيش في بلاد تمنحني حقاً وحيداً، وهو أن أتقاسم الجوع والفقر والحرمان مع شعبها، وتحرمني من كل ما نصت عليه دساتير الدول من حق في العمل والمأوى وحق العيش بكرامة. أعيش في وطن عربي كبير جداً، ولكنه يضيق بحلم فلسطيني، يريد أن يزور دول الخليج، أو أن يأكل من ثمار بغداد، أو أن يشرب من ماء النيل، أو أن يتملك بيتاً في لبنان. فكيف تكون بلاد العرب أوطاني؟ ولكن، رُبّ ضارة نافعة، فهذا الحائط الجليدي الذي بنته أنظمة العروبة، بيني وبينها، يذكرني دائماً بأنني لست من رحم هذه الأرض ويملأني قوة وشغفاً، لأن أبحث عن وطني الحقيقي، فأنسب إليه دمي.
عذراً مارسيل خليفة، لم أخترك يا وطني، بل لا أعرفك ولم أرك من قبل. أنت بالنسبة لي صورٌ تضج بها حيطان بيتي ونكبة مدماة، تكاد تكون وصمة عار على جبين الأمة. ولو خيرت يوماً، سأختار وطناً لم تصل إليه أيدي العروبة المشبوهة التي تخرب كل ما تطاله. لا أريد التفكير كثيراً في حقيقة وطنٍ، أحس بروحه، ولا أراه. وطن ينبض دمه الطاهر، ليسري في عروقي، ويزرع فيّ ثورة تكاد لا تنطفئ. بل سأترك صورة هذا الوطن صفحة بيضاء، تداعب مخيلة أطفال المخيم، ولهم أن يرسموه بفرشاتهم وألوانهم، كما يحلو لهم. فهم أحق من غيرهم، وأقدر على رسمه بدقة، من دون أن يتنازلوا عن شبر من حقهم فيه. أرجوكم لا تلوثوا وطننا بنفاقكم، وشعاراتكم الرنّانة. اتركوه طيفاً يضفي على أرواحنا الحب، كطائر سلامٍ أبيض، ولا تسلبوا منا شغف البحث عنه، فأنتم "لكم أوطان تعيشون فيها، ونحن لنا وطن يعيش فينا" وليهنأ كلّ منا بما لديه.

 

 

904DBC9C-FA94-4C89-A6A4-91BDF4D59160
904DBC9C-FA94-4C89-A6A4-91BDF4D59160
جمال أيوب (فلسطين)
جمال أيوب (فلسطين)