لم يبق من زيارة بيت لحم سواه

14 نوفمبر 2019
الصورة
(ساحة كنيسة المهد في بيت لحم، تصوير: كريس هوندورس)
+ الخط -

في 1980، زرتُ بيت لحم. أصدقاء شيوعيون أخذوني لكنيسة المهد. آنذاك، ونسبة إلى سنّي، لم أحمل أيّ انطباع عن الزيارة. فقط بقيَ منظرٌ عالقاً في الذاكرة: ذلك الراهب العجوز المتهدّم [لا يملأ سلّة، مثل عبد الوارث عسر] وهو جالس في تكوين صخري له شكل طاقة أو كوّة، يتمتم شيئاً، ويصفن في الزائرين. لماذا أفكّر فيه الآن؟ لماذا أستدعيه، بعد نحو ثلاثين عاماً؟

عجيبة الذاكرة، والأعجب منها آلية عملها واشتغالها.

فالليلة، وبعد أن نام أخي، نام جيراني، نام الحيّ كلّه، ولم أعد أسمع سوى صوت مرور سيارات قليلة. الليلةَ جاءتني صورة ذلك الشيخ القدّيس! لكأنما رأيته بالأمس فقط أو حتى قبل ساعات. رؤية صافية، وملامح واضحة، وهو يجلس في تلك الكوّة وينظر نحوي، ثم ينتبه فيشيح بنظره نحو اللاشيء.

لم يبق من زيارة الكنيسة سواه.

وذات صيف، بعد الزيارة بتسع سنوات، كنت أقرأ، في ليلة مؤرّقة، قريباً من بحر خانيونس، وأعيد قراءةَ ديوان سركون [إذا كنتَ نائماً في مركب نوح]، فهزّني بيت مغمور في قصيدته أو نصه العجيب ذي العنوان الأعجب "إرشا (في الطريق إلى الجمرة) دات".. بيت بسيط يقول: [.. قديس يجلس بجلال في رحم الماضي]، وفجأة وكأنما انقدحت شرارة، فجاء على إثرها، وجه ذلك الشيخ وملأ الأفق أمامي!

يا للشيطان، كيف تعمل الذاكرة! يقيناً، أنني ظلمت سركون ليلتها! ومع هذا ما في اليد حيلة. فنحن نقرأ بحياتنا وتجاربنا جميعاً.

نعم.

لم أذكّر سركون، حين التقيته، بهذه الطرفة. وها هي تأتيني الليلة، هنا على قمة جبل الزيتون. الشيخ نفسه، لم يشخ أكثر، ولم يمت. فأيش الحكاية، أتكون من تأثير اندغامي في عالم الكنائس والأديرة، وهذا قال وهذا عاد؟

ما لي أنا وهيك قصة؟ أم أنها ضريبة المكان والظرف؟

يُؤذّن للفجر، ويُدعى للسحور، والقديس إياه يملأ الغرفة التعيسة، لم يبرح. فمتى أنام؟

النوم؟ ثمة أنهار ملح في عينيّ ورئتيّ.

النوم؟ ولا كل ثقافتي بقادرة على جلب ذرّة منه.


■ ■ ■


أسمع سعال جاري المدخّن، وأصداء ضجّة بعيدة، فأوقظ أخي، ونمضي للبوفيه المفتوح، كي نتسحّر مع الجماعة.

نهبط الدرجات، ونجتمع حول الموائد الأنيقة. كل يأخذ في صحن صيني كبير ما يناسبه من طعام. آخذ ملعقتَي حمص، وشريحتي جبنة صفراء وبعض قطع الخيار والبندورة، وآكل ساهماً. لم يتصل نجوان اليوم. أخبرني بنيّته الذهاب إلى حيفا، لملاقاة الأصدقاء هناك. أغبطك يا نجوان، فنحن سكان أكبر غيتو في التاريخ الحديث، زيارة حيفا بالنسبة لنا، أصعب من زيارة كندا.

أعددنا شاينا وقهوتنا، في أكواب مقوّاة، وصعدنا لفوق. أخي نام فوراً، وظللت على حالي. مؤرّقاً، أمجّ سيكارة وراء أخرى، وأفكّر في هذه الحياة الغريبة. كيف يحيا من أعرفهم، وكيف ينتهون. مصائر لا أحد يعلمها. مصائر في بطن الغيب. سركون مات، ودرويش مات، وأخي على الحافة، وأمي لم تعد تجد الكلمات، بعدما أصابتها جلطة دماغية، فمتى يجيء دوري؟

دوري؟ طزّ!

أقوم عن السرير، وأفتح الباب بشكل موارب، واضعاً في الفرجة زجاجة الماء البلاستك، كي يتسرّب الدخان، فالغرفة امتلأت، وأكاد أختنق.

في الغرفة المواجهة لنا، أمٌّ من خانيونس، شابة في الثلاثين، ومعها طفلتها الرضيعة ذات السرطان. كل يوم تأخذها لجلسات الإشعاع، فيُخدّرونها هناك، كي تتمّ الجلسة بسلام!

أيُّ قدَرٍ هذا؟ رضيعة في شهورها الأولى وتأخذ "إشعاع"؟

أقوم لآخذ دُشّاً. فما بعد هذا الإذلال من إذلال.

إنّ توسّل النوم لمن أشدّ أنواع الإذلال وقعاً على نفسي. سأغتسل وأملأ البانيو ماء ساخناً، ثم أنغمر تحته ربع ساعة، رافعاً رأسي، ورويداً أغطس: كل غطسة بمدى دقيقة ونصف، فعسى أهرب من ذاتي. أما أنت يا أخي، يا ابن أمي، يا من تكوّنّا وتقلّبنا في رحم واحد، فلك كل الأحلام الجميلة، بعد أن زالت عن واقعك.


■ ■ ■


التاسعة صباحاً. حسكٌ بين جفنيّ. نلبس وننزل. اليوم له مراجعة عند الطبيب. أشير عليه بحلاقة ذقنه، فيرفض: تأخّرنا. كلا لم نتأخّر. الدكتور لن يصلك قبل الحادية عشرة، فلديه طابور طويل. يصرّ. ذقنه نابتة، والشيب يغطي أغلبها. لقد بدأ ينسحب إلى الداخل، أعرف.

صرنا نجلس بالساعات في الغرفة، وفوقنا طائر الصمت الرهيب. نبذل جهداً لكي نستولد الكلمة من الشوك والقارّ، هو بالأحرى. أحاول إخراجه، من دون نتيجة. وأعرف كذلك، أنني لا أصلح لهذه المهمة. فأنا برّاوي بطبعي، وبخيل، أكثر ما أكون بالكلمات. من أين آتي بها؟ من أين.

نحتاج، كلانا، لطرف ثالث، صديقٍ أو معرفة، كي يمتدّ حبل الكلام. من أين آتي به؟ من أين؟

الشارع منوّر، كبلّورة. لعلّ جمال الطقس يُخفّف عنه. نمشي، وأتكلّم كيفما اتفق، معقباً على منظر أو عابر أو حديث قديم. يصمت هو، وينسحب أكثر نحو داخله.

تمرّ عنّا فتاة مشرقة بجمالها وحيويتها ونضارتها، فألفت نظره، وأمتدح قفاها، فيبتسم، ثم يضحك. يا رجل! فكّها فراطة عاد!

أدخل في مقارنات ظالمة بين حال غزة وحال القدس. طريقة العيش، الرقّة، الذوق، النظافة، الرهافة.. إلخ. يضحك مرة ثانية، فأشعر باتساع رئتيّ.

نصل إلى بوابة المستشفى، ونسلّم على الحارس، وندخل. الدكتور لم يصل بعد. فنأخذ جولة في المكان. نزور الكنيسة والبرج، وأريه روعة الصور والتصاميم. نخرج من دون أن ندفع، فأخبر الحارس الواقف أمام طاولات قصيرة، عليها ملصقات وكتب ومنحوتات خشبية، برغبتنا في صعود البرج المنيف، يطلب ضاحكاً خمسة شواكل عن كل واحد منا. أقول له: لم ندفع لزيارة الكنيسة، أنت راعيتنا، فراعِنا في البرج كمان. يضحك، وأدير معه حديثاً مرحاً، طالباً منه في النهاية، ترتيب لقاء لي مع أحد القسس، فربما أجد لديه شيئاً، بعد أن طالت رحلة بحثي، ولم أعثر على أيّ شيء في الكتب الثلاثة.

يضحك أخي ضحكته الثالثة هذا الصباح. وأقول له: عظيم يا منير. أنت الآن أخو أخيك! ندور حول الكنيسة من الخارج، ونجول وراء المبنى، فنرى أحياء كثيرة من تحتنا. نرى جبل أبو غنيم في البعيد، ونرى مستوطناتهم، بطرازها المعماري الغريب على روح الجبال.

يدخل أخي للفحص، ويخرج راضياً.

- ها طمئنني. أيش الأخبار؟

- مفيش لسّا جلسات. بدّهم صورة.

- جيّد. فلتأخذها ولنر ماذا بعد.

يذهب ويتصوّر، ثم نخرج ونجلس في الحديقة، كي نتفرّج على السوّاح.

الأيام تمضي والمشاهد تتكرّر. ثمة روتين شرع يأخذنا إلى إيقاعه السرّي. نفس المشاوير ونفس الوجوه. نفس الشارع الطويل. نفس المحلاّت. إنما مثل الفجر: هل يسيء التكرار للفجر؟ كل فجر وله نكهة وبكارة طازجتان.

أظنني وقعت في حبّ القدس! فمن الآن، صرت أحلم بإطالة فترة الإقامة. إنها فرصة ثمينة، كي ننظف على الأقلّ رئاتنا. فما بالك بعيوننا التي كلّت وملّت هناك؟ هنا، لا يخلو يوم من جديد. ولا يصعب العثور، كل يوم، على جديد. كل هذه الآثار التاريخية الكبرى، لم نرها من قبل. أقول لأخي إنّ كل سنتيم هنا يحمل قصة [وخُذ عندك]: هنا بكى المسيح، فبنوا له كنيسة وسمّوها "الدمعة". وهنا علّم تلاميذه الصلاة، فبنوا أخرى وسمّوها "أبانا الذي". وهنا صعد للسماء، فبنوا ثالثة وسمّوها: "الصعود". وهنا في الأسفل دُفنت ستّنا مريم، وهنا، وهنا.... فماذا تريد أكثر!

يبتسم أخي ويهتف: - لا يقع إلا الشاطر!

- أيش بتقصد؟

- بقصد وقعت في مصيدة الماضي، ومش الماضي بس، الماضي الديني كمان!

- معك حق. هي طريقتنا العربية في الهرب من مصائب الحاضر.

- لأ عنجَد. حالك تغيّر هذين اليوميْن.

أجل. ملاحظته في محلّها. فماذا في هذه المدينة المنكوبة، سيُغريك إلا ماضيها.

نهبط منحدرين، ونعود للفندق.

مقام رابعة

أقول له: ما رأيك بزيارة رابعة العدوية؟

- رابعة!

- حقّ الجار ع الجار.

- أيش ورانا.. يلّلا.

قبرها بالفعل لا يبعد عن فندقنا سوى خطوات معدودات. وبالأمس سألت، فقيل لي بإمكانك زيارة المقام، نهاراً، في أي وقت.

نذهب، ويرسل معنا القيّمون، وهم من بيت العلمي، صبياً ليفتح المقام.

المقام مهجور. لم نر أحداً سوانا. يدخل الصبي، وندخل خلفه. ثمة غرفة واسعة للصلاة نجتازها، وثمة درجات صخرية ننزلها فنصل إلى القبر المجلّل بقماش أخضر.

الهواء مكتوم، رغم وجود كوّة في الأعلى. أتذكّر بيتها الشعري الأشهر: [أحبك حبين حبُّ الهوى وحبًّ لأنك أهلٌ لذاكا]. لم أقله مرةً في العشق الإلهي، وإنما في نساء عديدات، عبرن سمائي، كما يعبر البرق، أو طائر الدوري.

إنّ ما يبقى، يا شهيدة العشق الإلهي، هو رغبتنا في الحب، لا الحب ذاته. وتلك عبرة نعرفها بعد فوات الأوان.

أشعر بضيق، فأحثّ أخي على المغادرة. لم تطل زيارتنا، وعددناها بالدقائق. نخرج، ونشكر الصبي من بيت العلمي، ونمضي.

لولا فراغ الوقت، والتضييق علينا بالحركة، ما فكّرت يوماً في زيارة قبر أو أثر ديني. لكنني رهين المحبسيْن: الوقت والمكان. أما أخي، فلا يجتذبه الصوفيون، حتى لو كانوا بمنزلة رابعة. فهو أقرب بتركيبته للإسلام الإخواني.

في الفندق، يخبرنا العامل، بندرة زوار المقام (باستثناء مسلمي الهند وباكستان) قياساً لما حوله من آثار. يقول: اليهود يعتبرونه لهم، وعينهم عليه لتحويله إلى كنيس يهودي. والنصارى كذلك يعتبرونه مقاماً لإحدى قدّيساتهم. بيد أنه مهجور من أتباع الديانات الثلاث.

فاضٍ. ولذلك أفكّر بها. ماتت في الأربعين. ذروة نضوج الأنثى بزماننا. إنما مَن يدري؟ ربما كان زمن الكهولة في زمانها. لقد جرّبتْ الطريقيْن، وذاقت طعمهما، ثم انتهت. وسواء أكانت حقيقة أم وهماً، فالرحمة لها. الرحمة لها، ولو من أجل بيتها إيّاه.


* شاعر فلسطيني مقيم في برشلونة، والنص حول تجربته في عام 2009

المساهمون