لم ننجز تلك الثورة

19 مايو 2019
الصورة
(مع برهان غليون وعبد الله إبراهيم ومحمد أركون)
+ الخط -

لعل البحث في هذه القضية (تحديث الفكر العربي) أمرٌ على غاية الإشكالية والتعقيد، وذلك لاعتبارَين اثنَين، على الأقل. الأول منهما يكمن في أن موضوع البحث والباحث، أو كما نقول بالتعبير الفلسفي، الموضوع والذات، يتداخلان، على هذا الصعيد ويتشابكان بأشكال تكاد أحياناً تُطيح بموضوعية البحث العلمي. وكما هو بيِّن، المسألة هذه تتّصل بمقولات "الموضوعية" و"الانضباط العلمي" و"الأخلاقية العلمية" في العلوم الاجتماعية والإنسانية.

أمّا الاعتبار الثاني - وهو هنا مُتمِّم للأول - فينهض على الإقرار بوجود أزمة عميقة وشاملة تلف الفكر العربي المعاصر بكل أوجهه وتياراته واحتمالاته. وإذا قلنا إن هذا الاعتبار متمّم لذاك، فإن ذلك من موقع التأكيد على أن قضية البحث في الفكر العربي تُصبح، والأمر كذلك، أشدّ تعقيداً وإشكالية، ومن ثمّ أشدّ تمنّعاً على مبضع البحث. بطبيعة الحال، لا يجوز أن نستنبط من ذاك الذي قيل عقم العمل العلمي وانسداد آفاقه، أو على الأقل ضحالة جدواه.

إنّ ما يُمكن أو ما ينبغي أن نستنبطه هو، بالضبط، التأكيد على العمل العلمي، ولكن من موقع المطالبة بإعادة النظر في هذا العمل منهجاً ونظرية وآفاقاً، بحيث يغدو موضوع بحثنا الحالي ذا شقّين، أولهما الفكر العربي نفسه وثانيهما أداة البحث فيه. وإذا كان السؤال يغدو ضرورياً: ما هو "الفكر العربي"، وما هي الأداة المنهجية التي تتيح لنا اختراقه على أسس نافذة فاعلة؟

ليس في وسعنا الآن أن نجيب عن هذا السؤال المركّب بصورة مباشرة ومدقّقة. أمّا ما سنعمل على تقصّيه، هنا، فيكمن في محاولة تناول القضية من مدخلين اثنين، الأول تاريخي تراثي، والثاني منطقي بنيوي.

لا شك في أننا إذ نتحدّث عن فكر عربي وعن قضية تحديثه، نجد أنفسنا مدعوّين إلى العودة لجذوره، القريبة على الأقل، وهي تلك التي تتمثّل في عصر النهضة العربية الذي امتدّ من أواخر القرن الثامن عشر إلى المرحلة التي تنتهي بالحرب العالمية الثانية.

لقد كان من شأن ذلك العصر أن ينتهي، ضمن تطور قانوني داخلي، إلى إنجاز الثورة العربية البرجوازية بمهمات ثلاث لها تبلورات وظهرت في سياق التحوّل الداخلي، وهي تثوير علاقات الإنتاج المهزومة تاريخياً، وتحويل ثقافي وصناعي عميق، وتحقيق الوحدة العربي عبر أقنية الوحدات الوطنية في الأقطار العربية.

لم ننجز تلك الثورة، فسقطت، من ثم مهماتها تلك الكبرى. أمّا ما تحقّق، في ذلك السياق، فلم يخرج عن دائرة من الإصلاحية القنوعة أحياناً والساذجة أحياناً أخرى والمخففة دائماً، أي في كل الاحتمالات. وإذا كنا نتحدث عن مثل تلك الإصلاحية، فإنما لندرج في إطارها وبصيغ متعددة كل تيارات الفكر العربي النهضوي.

نقول هذا على سبيل التعميم. ولكن هذا الأخير، وإن كان مجحفاً بحق الخاص أو بحق بعض الجوانب الخاصة التي لا تدخل فيه (في التعميم)، فإنه يظلّ المعبّر عن الموقف الأساسي الجوهري.


* من كتاب "على طريق الوضوح المنهجي: كتابات في الفلسفة والفكر العربي"، دار الفارابي، 1989

المساهمون