لم ننتحر لكننا لسنا بخير

13 ديسمبر 2019
الصورة
+ الخط -
رائجٌ هذه الأيام الحديث والكتابة عن المنتحرين، خصوصا أن مصر شهدت حوادث، استدعت اهتماما مجتمعيا، اتخذ اتجاهين رئيسين، أولهما من أنصار السلطة الذين ينكرون الواقع، فيستخدمون استراتيجية إدانة الضحية، ردا على الاتجاه الثاني الذي يرى الانتحار دليل إدانة سياسية وأخلاقية للنظام، وبرهانا على فشل سياساته. أسباب الانتحار باعتباره ظاهرة متجددة متعددة ومتشابكة، وهو وثيق الصلة بالنظام الاجتماعي المختل الذي ينتج ويراكم أشكالا متعددة من القهر، النظام السياسي جزء منه. ولكن المأساة ليست وليدة اليوم، إن أردنا معالجة الأمر بموضوعية، ومع التسليم بأن الأزمة الاجتماعية والاقتصادية كرّسها النظام وفاقمها، إلا أن الانتحار ليس ظاهرة تخصه دون غيره، ولا تقتصر على مصر بطبيعة الحال، وليست وحدها المخيفة في المجتمع المصري، فهى أحد تجليات المشهد الأسود، فهناك غير المنتحرين الذين يعيشون أشكالا متنوعة من المعاناة، ولكن وطأة قتل النفس ودرامية وقائع الانتحار مؤلمة بشكل مكثف، وصادمة أيضا، خصوصا لمن لا يرى المشهد الكلى للأزمة الشاملة التي تعيشها قطاعات كبيرة من المصريين، وفئات واسعة من دول عربية أخرى، فقسوة المعيشة من بطالة ومحدودية الأجور والعجز عن الإيفاء بمتطلبات المعيشة وضعف جودة الحياة، وانتشار الأمراض وعدم القدرة على العلاج، والإحساس بالاغتراب وانتشار ظواهر العنف والتفكّك الأسري والانقسام المجتمعي، وتسلط النظم، تشكل مشهدا مرعبا. ولما كانت صورة حياة الناس بهذا الشكل، كانت ثورة المصريين، وغيرهم من شعوب عربية، مفهومة ومتشابكة مع حجم المعاناة. 
حين يعجز الناس عن الانتفاضة أو الانخراط في حلول ومشاريع جماعية تنقذهم، ينسحبون، 
ينتحرون بطرق شتى، وإن ظلوا أحياء. تفرز الأزمة المتشابكة ظواهر مشابهة للانتحار، كالعنف والاكتئاب الممتد بشكلٍ مرعب. ذكر المسح الصحي المصري لعام 2017، أن واحدا من بين كل أربعة مواطنين، أي ربع سكان مصر، يعانون من اضطرابات نفسية. وليست معدلات انتشار الفقر والفقر المدقع، والأمراض العضوية، وأمراض اجتماعية عديدة أقل وطأة أو قابلة للاحتمال.
مجمل الظروف الاقتصادية والسياسية والبنية الاجتماعية تنتج قهراً متعدّد الأبعاد، مصر التي يحتفى أهلها بالحياة، ولهم فيها قدرة على المعايشة والتكيف والجلد والصبر، تتسع فيها ظاهرة الانتحار، وغيرها من أمراض نفسية واجتماعية تدين ليس النظام السياسي، ولكن أيضا النظام الاجتماعي ككل. وحين يتمظهر الألم في الانتحار فلا غرابة، وليس أمرأ مفاجئا، لكنه مؤلم، فصراخ المقهورين يتمظهر في الانتحار، بشكل صادم، ويبدّد حالات الإنكار، ليقول إننا لسنا بخير.
الانتحار في المجتمعات المأزومة ليس مجرّد تخلص من الحياة، بأعبائها ومشكلاتها، وليس مرتبطا بظروف المنتحر وهشاشة احتلت روحه، ولكنها أيضا إعلان رفض ضد كل أشكال القهر، وبنى السلطة، بما فيها البناء الاجتماعي، العائلة وأساليب الضبط والتنشئة، مجتمع الدراسة والنظام التعليمي وأعباؤه وقواعده، محيط العمل وظروفه، انتحارا يحمل تخلص من علاقات ثقيلة لا تحتمل، وأدوارٍ لا يمكن القيام بها، وهو الصرخة الأخيرة التي يطلقها اليائسون قبل المفارقة، وربما فرصتهم الوحيدة والمركّزة في التعبير ضد المجتمع ومحيطهم الاجتماعي، وربما يسألون، بيأسهم، الجميع عن أحوالهم، وإهمال أصابهم، أو أدوار غائبة في المساندة والتضامن والمسؤولية.
ماذا يتبقى للإنسان، حين يغادر طموحاته إلا الانكسار. ينتحر بعض المنكسرين. ويتجاسر آخرون على المقاومة إلى حين. ولكن هذا لا يلغي طبيعة المعيشة القاسية، ولا المعاناة التي تستحق الاهتمام قبل الوصول إلى مواقف صادمة، الإقدام على الانتحار أمام التحدّيات نسبي، كالإحساس بالحرمان والقهر، وكلاهما مرتبط بنظرة الفرد إلى ذاته وأوضاعه مقارنة بالآخرين، البحث عن الحياة بكرامةٍ يصدم بسلاسل متصلة من الاستبعاد الاجتماعي والسياسي والاقتصادي.
صحيحٌ أن الظروف الاقتصادية وحدها ليست دافعا وحيدا للانتحار، ولكن ذلك لا يلغى تأثيرها البالغ والأساسي سببا للظاهرة. وحسب تقرير منظمة الصحة العالمية (2018)، تتركز 79% من حالات الانتحار عالمياً فى البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل. مصريا وحسب تقارير عديدة، تتركز حالات الانتحار بين الذكور، ما يقرّب الصورة، ويوضح علاقة الظاهرة بالبنية الاقتصادية، الشعور بالاغتراب داخل النظام الاقتصادي مؤثر. وإذا أخذنا في الاعتبار نظرية الدور الاجتماعي إطارا للتحليل، يمكن أن نكشف جانبا من أزمة الاغتراب وحجم المعاناة، فمن يقع على عاتقهم دور الإعالة، والذين يزداد عددهم مع ارتفاع نسب البطالة، يعانون ضغوطا قد تفوق قدراتهم على التحمّل.
وفي مجتمعاتٍ، تعتبر العلاج النفسي مرحلة تالية للعلاج العضوي، بحكم الثقافة والأعباء 
الاقتصادية، يمكن تلمس أوضاعٍ قاسيةٍ لشرائح لم تقدم على الانتحار، لكنها تعيش وضعا بائسا. هناك ملايين، بحكم أدوارهم الاجتماعية، يديرون شؤون حياتهم ورعاية أسرهم بمشقة، يدخل في نطاقهم من يعانون الفقر والفقر المدقع، والمعطلون، والعمالة الهشّة.
وعندما تضعف قوة الشبكات الاجتماعية، يشعر الأفراد بالوحدة، وتزيد قسوة الحياة. لذا ليس غريبا أن يكون العنف ضد الذات، الانتحار أو العنف ضد الآخرين بمختلف أشكاله، أكبر في المدينة من الأرياف. يجعلنا ذلك كله ننظر، بصورة مختلفة عن الذين لم ينتحروا، الذين يعيشون المعاناة التي ينتجها النظام الاجتماعي والاقتصادي المستمر في التوحش. يعيش هؤلاء عصر البربرية، ويذوقون مراراته. كانت لبعضهم من قبل طموحات وأحلام تتبدّد وتسقط، وان لم تسقط أجسادهم من أعلى الكباري (الجسور) لتصدم بالنيل غرقا، قبل أن يسقط منتحرون كثر من أبراج عالية، وقبل أن تتهشّم أجسادهم تهشمت أحلامهم على أرض الواقع.
لا بد أن يكون الانتباه والانشغال متعلقا بحوادث الانتحار. ولكن من مجمل الصورة، المشهد الاجتماعي مليء بأشكال متعدّدة من المعاناة، فالانتحار، وإنْ يشكل ظاهرة اليوم فخلفه مآسٍ يشترك فيها غير المنتحرين، قد تنتج عنفا ضد النفس (قتل الذات)، أو مظاهر أخرى من العنف ضد الآخرين، وليست الحوادث غير الاعتيادية، وخصوصا حوادث الأسر، أقل درامية أو مأساوية.
بمقاربة وظيفية، المجتمع المصري اليوم في حالة خلل، وأي إنكار لذلك من أجل تجميل وجه 
السلطة جريمة، والخلل في جسد المجتمع وفي وظائف أنساقه السياسية والاقتصادية والاجتماعية يحتاج علاجا، كما الخلل في الجسد الفيزيقي. وتدل حوادث الانتحار الاعتراضية على عمق الأزمة، فالسائق الشاب الذي انتحر شنقا على لوحة إعلانات في طريق مصر الإسماعيلية عام 2014 واحد من نماذج اليأس والإحباط. كان موته أكثر درامية من انتحار طالب كلية الهندسة أخيرا، وهي الحادثة التي فتحت أبوابا للغضب والنقاش عن الانتحار. ربما كانت قطاعات من المجتمع 2014 متفائلة، وربما كان الأخير يمثل لفئة شبابية قرينا لهم، وهؤلاء أكثر قدرة على التعبير والنقاش، وعلى الرغم من أن كليهما شابان، إلا أنهما يختلفان في المكانة الاجتماعية وتاريخ الواقعة.
إجمالا، هناك بجانب المنتحرين من يعيشون حياة قاسية، وتضيق بهم الدنيا وسبل المعيشة، ويعانون، بدرجاتٍ متفاوتة، من جرّاء ظروفهم القاسية. وهؤلاء من غير المنتحرين ينتظرون الخلاص، وإن لم يجدوه، سينتحرون بطريقة أو أخرى، ليس شرطا لها الموت. وهذه المشاهد القاسية التي ترسم معاناة قطاعات واسعة، وكذا شعورهم بالاغتراب وقلة الحيلة، والضغوط المتنوعة اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا، كلها تحتاج تغييرات ليس وحسب في البناء السياسي، وإنما تغييرات عميقة في النظام الاجتماعي والاقتصادي، وفي طرق التنشئة والحوار، وضرورة في قبول الآخر، وتفهم معاناته، ومساحات واسعة من قبول الآخر والتسامح والحد من لغة العنف والسلطوية والقمع سياسيا واجتماعيا.