لم أعد أبالي

30 يوليو 2019
لم أعد أبالي بتقلّب مشاعر الآخرين، ولم أنتظر تصافياً من أحد، خصوصاً في هذا الزمان الرديء؛ زمان الروبوتات البشرية! فمنْ قال إن الطِيبَة دوماً يُرد عليها بطِيبَة؟ ألم يقل الإمام الشافعي: "فَمَا كُلُّ مَنْ تَهْوَاهُ يَهْوَاكَ قلبهُ/ وَلا كلُّ مَنْ صَافَيْتَه لَكَ قَدْ صَفَا؟". وكذلك يقول أحمد خالد توفيق: "أن تتوقع أن يعاملك العالم برفق لأنك إنسان طيب، أشبه بأن تتوقع ألا يلتهمك الأسد لأنك نباتي لا تأكل اللحوم!". لذا لا تبحث في تقلبات الوجوه عن صدى أو ظل لإنسانية متبقية إلا لِماما.
قليلون هم الرائعون، لكنهم نجوم تضيء في هذا السديم المطبق علينا من كل الجهات. قليلون نعم! لكن الواحد منهم بألف، بل بمليون من هذا الغثاء الذي نلتقي به كل يوم في شوارعنا، في مقرات أعمالنا، في (مقايلنا)، وعلى شاشات السماوات المفتوحة، وفي صفحات الإنترنت.
نحن، يا سادة، في الزمن الأخير ولسنا في عصور البدايات النقية، نحن معجونون برتابة الآلة وزور السياسة وخبثها، فماذا نتوقع كيف تكون حياتنا؟ صورة طبق الأصل من هذه التقلبات جميعها. ولم يعد من هدوء إلا في ذكريات مخزونة قليلة في ذاكرة منْ عاش منا أياما قديمة جميلة، هذا إن وجدت. واستطاع أن يحافظ على ذكرياته، فلم يصبها التلف. لكنها تظل مجرد ذكريات، أي مجرد بايتات (Bytes) لا وجود لها حقيقيا على أرض الواقع.
عن ذلك يقول كاتب الخيال العلمي، أشرف فقيه: "هذه الحضارة الرقمية هي من التفاهة والعدمية بمكان. إنها إلى زوال حتمًا؛ لأنها في الأساس مضادة للكينونة وللحيّز الوجودي. ما معنى البتَ والبايت والتيرا بايت؟ ما معنى أن تكون صورك ومستنداتك وذكرياتك مخزنة على السحابة؟ أم تكون تفاصيل حياتك رهن هاتفك الجوال؟ ما معنى أن تلغي شيئًا بأن تلقي به في سلة مهملات إلكترونية.. تضغط زر "ديليت". هل تفهمني؟... ومع ذلك فلا بد أن ندرك كم هي متهافتة ولا شيئية هي هذه الحضارة الرقمية. وكل ما خُلق من البتّ فمصيره مرهون بسيرفر الضياع".
حياتنا أصبحت أقرب للعالم الافتراضي، إذا لم يتفوق هذا الأخير عليها في حيويته.
تعليق: