لمن يوجّه الجنرال تهديده.. وما الذي يخشاه؟

07 فبراير 2018
الصورة
كان الجنرال في حالة غضب حقيقي. وكان واضحا للجميع أن هناك خطبا ما أجبره على التخلي عن ابتساماته الصفراء، وأدائه التمثيلي المعهود. يُلقي التهديد والوعيد يميناً ويسارا، وأحيانا يلتفت خلفه ليستكمل صياحه، وكأن هناك من يريد الانقضاض عليه من الخلف. كان الجنرال مذعورا، يعلن أنه مستمر في الحكم حتى يلقى حتفه، أما الانتخابات أو القانون أو الدستور أو فترات الرئاسة فأمور وإجراءات شكلية، يمكن تعديلها أو حتى تجاوزها في أي وقت حسب الحاجة، أنا أو الفوضى، منطق حسني مبارك نفسه.
لمن كان عبد الفتاح السيسي يوجه تهديداته؟ ومن هم أهل الشر الذين تحدّث عنهم؟ قديما كان هذا المصطلح المبهم يشير إلى إرهابيين وتكفيريين وجماعات إسلامية. وأحيانا كان يتعمّد الخلط ليتم استنتاج أن قوى الشر هي جماعة الإخوان المسلمين وتركيا وقطر، وأحيانا إسرائيل والولايات المتحدة على الرغم من أنهما حليفان للسيسي منذ مجيئه إلى السلطة. ولكن من أهل الشر هذه المرة؟ هل هم فعلا المجموعات والأحزاب المدنية التي دعت إلى مقاطعة مسرحية الانتخابات، وأصدرت عدة بيانات، وعقدت عدة مؤتمرات. هل يخشى سيناريو الجمعية الوطنية للتغيير عام 2010 أو جبهة الإنقاذ في 2013؟ هل يشكل ذلك تهديدا حقيقيا لحكمه ونظامه، بعدما بسط سيطرته على كل مقدرات السلطة في مصر؟
لا أظن ذلك، فعلى الرغم من حالة الترقب أو الرعب التي أثارتها تهديدات السيسي، إلا أنه لا يقصد ما يطلق عليه التيار المدني المعارض، فهذا التيار، وإن كنتُ محسوبا عليه، لا يمثل 
تهديدا حقيقيا للسيسي ونظامه. ربما تجد تغريداتٍ وبياناتٍ من هنا أو هناك، أو بضعة مؤتمرات أو اجتماعات لا تفضي إلا إلى مزيد من الخلافات والانشقاقات. ولكن حتى الآن لا يمثل هذا التيار أي بديل حقيقي، بالإضافة إلى افتقاده الجذور الشعبية، حتى في فترة الانفتاح السياسي القصيرة بعد ثورة يناير 2011، ولكن كذلك قد يكون ذلك التيار، على الرغم من ضعفه الشديد، وسيلةً ما إن كان هناك تحركات أخرى، معارضة للسيسي من داخل المنظومة والمؤسسات العتيقة.
ليس عندي معلومات كافية عن نشاط ضد السيسي، أو تحرّكات معارضة ضده من داخل المؤسسات، ولكن تحليلات متناثرة تؤكد ذلك، وتدلل عليه بنزول رئيس أركان القوات المسلحة المصرية الأسبق، الفريق سامي عنان، إلى التنافس في الانتخابات الرئاسية، ثم ما حدث معه بعد ذلك من اعتقال وتشويه وإجراءاتٍ من النادر اتخاذها ضد قيادة عسكرية بهذا الحجم. كما أن تغريدات متواترة تحاول الربط بين ما قيل (وما حدث) وإقالة بعض القادة العسكريين في الشهور الماضية، ثم تصعيد مدير مكتب السيسي، عباس كامل، ليتولى منصب مدير المخابرات العامة المصرية، على الرغم من أنه من خارج هذا الجهاز. بالإضافة إلى أخبار غير مؤكدة عن محاكمات عسكرية لمجموعات أخرى من المتعاطفين مع عنان داخل المؤسسة العسكرية.
ولكن إن كان الأمر كذلك، ولا علاقة لتهديداته بالمجموعات والأحزاب المدنية المتآكلة والهشّة، فما الداعي لأن يقول السيسي عباراتٍ تهديديةٍ حادة من قبيل تأكيده في إحداها أن ما حص قبل سبع سنوات أو ثمان لن يتكرر، وإشارته إلى أنه قد يطلب تفويضا ثانيا تكون فيه إجراءات أخرى ضد أي حد يعتقد أن في وسعه أن يعبث بأمن مصر. .. ماذا كان يقصد بما حدث قبل سبع سنوات؟ هل كان يقصد ثورة يناير التي لولاها لما كان وزير دفاع، ولا كان يحلم أن يكون رئيسا، وهي من المفترض أن تكون أساس شرعية النظام السياسي، كما ينص الدستور. ولكن الجميع يعلم أن هذا الدستور حبر على ورق. والجميع يعلم مدى كراهية النظام الحالي وأجهزة الدولة العميقة لثورة يناير، وكل محاولات الإصلاح والتغيير. وهل تكون التفويضات والإجراءات الاستثنائية أساس الحكم بدلا من الدستور والقانون؟ في أنظمة فاشيةٍ وعسكريةٍ شمولية، بالتأكيد إن اللاقانون هو أساس الحكم، وليس الدستور والقانون وتوازن السلطات.
تقول كتاباتٌ إنه يخشى من تحرّك من داخل المؤسسة، فلم يُزَحْ حسني مبارك عام 2011، إلا بعد تحرّك المؤسسة ضده. ولو لم يكن هناك هذا التحرّك والتأييد الظاهري لمطالب ثورة يناير 
لما تنحّى مبارك بعد ال 18 يوما. وأشير هنا إلى واقعة بعد تنحي مبارك عن السلطة بساعات، وبعد إعلاننا، نحن ائتلاف شباب الثورة (ومجموعات شبابية رئيسية للحراك) أننا لن نبرح ميدان التحرير، حتى يتم إقرار خريطة طريق واضحة ومتفق عليها، وحتى نعلم أولا توجّهات المجلس العسكري الذي تولى السلطة بعد مبارك، بعد ذلك، تلقينا اتصالات تدعونا لمقابلة قيادات في المجلس الأعلى للقوات المسلحة داخل مبنى المخابرات الحربية. فذهبنا متشككين ومتوجسين من نواياهم. ذهبنا محميين بقائمة مطالبات وإصلاحات تم تجاهلها، والالتفاف عليها بالكامل فيما بعد. يومها استقبلنا السيسي بابتسامةٍ عريضةٍ، وحفاوةٍ بالغةٍ، قائلا "أنتم أبطال مصر، وحققتم المعجزة، وعملتم اللي ماعرفناش نعمله، واللي كان لازم يحصل من زمان جدا".
فسّر بَعضُنَا هذه العبارة يومها بأنه كان يقصد أن المؤسسة العسكرية كانت تتحيّن الفرصة لإزاحة مبارك، بعد تفشّي فساده واستبداده. وبعد فترة بسيطة، اتضح لنا أنه كان حين قال "حققتم المعجزة وما فشلنا فيه" كان يقصد إزاحة مجموعة رجال الأعمال وأصدقاء جمال مبارك من السلطة في مصر، الذين همّشوا المؤسسة العسكرية من المعادلة الاقتصادية سنوات طويلة، فتحيّز المؤسسة العسكرية وقتها كان لحماية المصالح الاقتصادية، أو استعادتها، وليس من أجل الديمقراطية والتعدّدية وحقوق الإنسان وباقي القيم المدنية التي لا يعترف العسكريون بأهميتها في بناء الدول. ولذلك ربما يكون جزء من تهديدات عبد الفتاح السيسي الحادة والعنيفة يطاول فعلا بعض ردود أفعال المجموعات السياسية أخيرا، فثورة 25 يناير بدأت من المجموعات المدنية، ونتيجة الحراك السياسي قبل عام 2011، أما التدخل العسكري في 3 يوليو 2013، فقد استغل موجات الغضب والمعارضة من القوى المدنية والثورية قبل 30 يونيو. ولذلك قد يكون هناك توجس فعلي لدى النظام الحالي، أو شعور بالتهديد من أي تقاطعاتٍ أو نقاط مشتركة بين القوى المدنية (أو المجموعات المعارضة بشكل عام شاملة التيار الإسلامي) مع أي قوىً أو مجموعات معارضة من داخل المنظومة أو المؤسسات. ولكن هل تؤدي تهديدات السيسي تلك إلى موجة اعتقالاتٍ في صفوف المعارضين من كل التيارات، كما فعل أنور السادات في سبتمبر/ أيلول 1981 قبل اغتياله؟ هذا ما ستكشف عنه الأيام المقبلة.
تعليق: