لمن تكتب؟

لمن تكتب؟

04 فبراير 2020

(ضياء العزاوي)

+ الخط -
كنّا، في ماضٍ ليس بعيداً، نُسأل: لماذا تكتبون؟ أما اليوم، فنُسأل بالأحرى: لمن تكتبون؟ والفرق على غير ما يبدو شاسعٌ ما بين السؤالين، بل هو أشبه بجدار فصلٍ يقف بين حقبتين لا تباعد بينهما في الواقع أكثرُ من بضعة عقود.
والحال أن سؤال "لماذا تكتب" الذي كان يُطرح على معشر الأدباء يركّز بوضوح على الكاتب، وعلى علاقته الحصرية بالكتابة، وبأدواتِ تشكّلِ عوالمِها تحت يديه. نحن هنا في صلب عملية الكتابة، في جوهرها وعلّة وجودها وخلوّها من كل تأثيرٍ خارجي، يهدف إلى الغواية أو التلطيف أو الترغيب. يُسأل الكاتبُ لماذا يكتب، كما يُسأل عالمٌ كيف يتخاطب النبات، وفي السؤالين رغبة واضحة في ولوج عالم سرّي، ممتنع، عصيّ، مع العلم بعدم وجود ردّ/ مفتاح، أو ردّ/ وصفة، أو ردّ/ يقين، كما هي الحال في أسئلة علم الأحياء أو الفيزياء. أمّا سؤال "لمن تكتب"، فإنه يُقصي الكاتبَ مباشرةً عن فعل الكتابة بما يعنيه من فرادة وغرابة وغنىً وتعقيدات، ليقفز به إلى بُعد آخر تنتفي فيه أسئلته وشكوكه وقلقه، أي إلى حيث انتهى من الكتاب ليصبح في يدي "قارئ" ما. أجل، السؤال "لمن تكتب" لا يحاكي عالمَ الكتابة ألبتّة، ولا عالم الكاتب، وإنما عالم القراءة حيث ينعدم دورُ الكاتب ويتقلّص تأثيرُه، تاركا لروايته أن تصطدم وتتفاعل بكل تكويناتها مع القرّاء.
وقد يبدو مبالغاً القول إن القارئ، بالنسبة للكاتب، وجودٌ خياليّ، متوهَّمٌ وغير ملموس، على الرغم من وجوده الفعليّ. فبدايةً، لا يوجد بروفايل واضحٌ لقارئ ما، وإنما هناك بروفايلات قرّاء بعدد القرّاء أنفسهم. هناك المستهلك وهناك المُريد، الموسميّ والمثابر المستديم، رائد الصالونات الاجتماعية أو المتنسّك الانعزالي، المنفتح والمتطرّف، المدّعي والمغالي، والمتواضع ثري المخيّلة أو فقيرها حدّ الإسفاف... أجل، لا وجود لقارئٍ مفترَضٍ إلا لاحقًا جدا، وبشكل ثانوي، وبنسبةٍ لا تُقلقُ لدى الكاتب إلا همّ التلقّي، وليس أسئلةَ الإبداع وجحيمه. القارئ عنصرٌ طارئٌ على فعل الكتابة، بدليل وجود كتّاب يكتبون ولا ينشرون، أو أنهم كتبوا طويلا ولم يُنشروا إلا بعد مماتهم (فرناندو بيسّوا). والقارئ عنصرٌ ثانويٌّ تضخّمت الأنا لديه، وقد فرضتْه قوانينُ السُّوق بعرضها وطلبها ومعاييرها الخاصة بالرواج والانتشار والفشل والنجاح وترشيحات الجوائز أو الترجمة إلى لغات أخرى. وهذي كلّها معايير لا تمتّ دائما بصلة إلى جودة المستوى أو فرادة العمل الإبداعيّ، كما أنها لا تخاطب عزلة الكاتب ولا وحدته أو تخبّطه في مستنقع الخلق الأدبي. أجل، سؤال "لمن تكتب" مغلوطٌ من أصله، ملغومٌ، غير حقيقي. ذلك لأن الكاتب يكتب ربما لـ"لا أحد". للعدم. للكون. للفراغ. للموت. للذاكرة. لنفسه. لقسوة أن نولد. لظلم أن نموت. لعبثية أن نمرض ونشيخ. لـ...
الكاتبُ لا يكتب لك، أيها القارئ. وإن قرأتَه، فحسنٌ لك، وإن لم تفعل، فأنت حرّ. هو لا يعرفكَ، ولا يريد أن يعرفك، لأنك أصلا غير موجود بالنسبة إليه. هذا ليس تعاليا عليك، وليس تحقيرا لك، بل هي الحقيقة التي لا يجب أن تؤثر على حبك القراءة أو نفورك منها. أنت تقرأ، وتحبّ أو لا تحب، منذ الأزل. تقرأ وتتفاعل وتتجاوب وترقى وتتعلم وتتسلّى و.. و... لكنك، لسببٍ ما، بتَّ تشعر أنك صاحبُ فضلٍ ما، وأن ما تكتبه من تقييماتٍ لأعمال أدبية على مواقع التواصل الاجتماعي، أو نوادي القراءة، يمنحك سلطة ما. لا، لستَ صاحب سلطة، وإنْ أردت الحقيقة، فاعلم أنهم قد حوّلوك رقما في السّوق ابتدعه الناشر والموزّعُ كي ترتفع المبيعات وتزداد الأرباح، فإن أردتَ سؤالي بعدُ: لمن أكتب؟ فتحمّل الإجابة: حتما ليس لك.