لمن تقرع الأجراس؟
عنفٌ مستمرٌّ في العراق وسورية، ونزوح متواصل، وكنائس دونما قدّاس. هنا على أرض يوحنا المعمدان اجتمعوا، ثلاثة مسيحيين، عراقي وسورية وعراقية، شاءت الأقدار أن يلتقوا في الأردن بعدما فروا من بلادهم، هرباً من العنف الطائفي، لكنهم أصروا على الإقامة قرب الديار، لعلهم يسمعون أصوات أجراس كنائس، كانوا يصلّون فيها قبل حين.
وهذا ما قاله الأصدقاء عند اللقاء، زياد وليد، العراق: "في العراق، منذ العام 2003، ونحن نعيش في حالة من الرعب والخوف من المجهول، نحن هدف سهل لجميع المسلحين من مختلف الأيديولوجيات في عموم المدن، كما أن الجهل بتعاليم الدين لدى بعضهم ساهم في تنفيذ أجندات تهدف إلى إفراغ العراق من المسيحيين. غادر آلافٌ إلى دول عربية مجاورة، ومنها إلى أوروبا وأميركا، هرباً من الموت، ولايزال مئات يحدوهم الأمل في مناطق، قد لا تكون أكثر أمناً من المدن التي هجروا منها قسراً، نحن نعلم أن الاستهداف لم يكن يقتصر على المسيحيين، ولكننا، للأسف، وقبل زمن قريب، كنا أقلية، ثم أمسينا، اليوم، قصصاً تروى، وتاريخاً مخضباً بالدم، كما جسد السيد المسيح".
مارلين شكيب، سورية: "منذ صغري رأيت في العالم العربي تآلفاً وتعايشاً بين جميع مكوناته، ولم أكن أفكر من منطلق مسيحي، أو مسلم، وكنت أتجه إلى المعنى الحقيقي للإنسانية، ولم يعني لي الدين سوى قانون روحي ومعاملة حسنة. والآن، تدهشني أفكار غير منطقية، انتشرت مع الجهل الحاصل عند قلة من المجتمع العربي. باعتقادي هم مسيرون من الغرب تجاه زرع الفتنة، وإفراغ الشرق الأوسط من مسيحييه الذين لا يعترف بهم الغرب أصلاً، فلا نسمع عبر وسائل الإعلام عن الفاتيكان ورؤساء الدول الغربية التي تتمتع بحكم مسيحي، سوى الاستنكار والشجب. لذلك، برأيي الخاص، الاستهداف هو لعروبتنا، قبل أن يكون لديننا، والدين هو الوسيلة، أما قيادات الدولة الإسلامية في العراق والشام، والتي تستهدف المسيحيين وغيرهم، فليسوا سوى جهلة مسيّرين، وليس لهم ارتباط بالله عز وجل، لا من قريب ولا من بعيد، فالذي يعرف الله يتمتع بالرحمة والفطنة، على أقل تقدير، ونور الرب يصنع المعجزات في العقول، أما بالنسبة لهم فظلام الجهل غطى على عقولهم وقلوبهم. من الذي جعلهم جنود الله على الأرض، ولدى الربّ آلاف مؤلفة من الملائكة؟"
لونا بولص، العراق: "الفاجعة التي نراها اليوم، يعيش مأساتها أبناء جلدتي من المسيحيين، على الرغم من أن لهم إرثاً عميقاً في بلاد الرافدين، لكنهم هُجّروا قسراً، وأرغموا على ترك مساكنهم وأموالهم وأعمالهم، أصحابهم، ذكرياتهم، جيرانهم، ابتسامتهم ودموعهم، كل هذا تركوه مرغمين وخرجوا من أمكنتهم. استولى المجرمون على كل ما يملكه المسيحيون في الموصل، حتى الكنائس والأديرة لم تسلم منهم. كنا، قبل زمن، نحيا ونقتسم رغيف الخبز مع من كان حولنا، واليوم يقف الإخوة المسلمون وقفة مشرفة، بعدما باتت منازلهم سكناً آمناً لإخوتهم المسيحيين الذين شاركوهم موائد الإفطار الرمضانية. غادرت العراق قسراً، ولم أرحل بعيداً، لعل وعسى أن يجمعنا به لقاء قريب. فالسيد السيد المسيح يقول: "لا تقاوموا الشر بالشر، بل قاوموا الشر بالخير" هذا ما تعلمناه، وهذا ما فعله المسيحيون في الموصل".
مع تواصل القتال، وتغلغل الإرهابيين في العراق وسورية، يواصل المسيحيون هجرتهم هرباً من المصائر الصعبة، شأن ملايين المسلمين، فلم يفرق الموت، هنا، بين من يحمل الهلال أو الصليب. وسط أزيز الرصاص، تلت كنائس الشام ترانيم دمشقية في آخر قدّاس، وفي عاصمة آشور، نينوى، أحدٌ مضى دونما أن تقرع للصلاة الأجراس.