لماذا يقع الأميركيون في فخّ المتصيّدين الروس؟

27 ديسمبر 2018
الصورة
الأميركيون أكثر عزلة من الأوروبيين (جاب آرينز/NurPhoto/Getty)
لم يكن الأميركيون هم هدف الروس الوحيد، فقد تعرضت الجمهوريات السوفييتية السابقة وكذلك دول الاتحاد الأوروبي أيضاً لحملات شنها المتصيدون الروس، لكن الأميركيين سقطوا في فخ الأكاذيب الروسية بمعدل أعلى بكثير.

ويقدر موقع "فيسبوك" بأن 126 مليون مستخدم أميركي قد شاهدوا منشورات أو قصصاً أو محتوى آخر أنشأته الحسابات المدعومة من الحكومة الروسية، كما تعرّض 20 مليون مستخدم آخرين لهذا المحتوى الروسي على "إنستغرام"، وتنطبق نفس القاعدة على "تويتر" و"يوتيوب". محتوى تضمن الشائعات ونظريات المؤامرة والصور المؤثرة عاطفياً، في محاولة لتأجيج الاستقطاب والرأي المتطرف في أميركا.

وتعرضت الجمهوريات السوفييتية السابقة، وهي أوكرانيا وجورجيا وإستونيا وليتوانيا، وكذلك دول الاتحاد الأوروبي، مثل بولندا وفرنسا وألمانيا، لحملات مماثلة، استخدم فيها المتصيدون الروس نفس التكتيكات: زرع وتضخيم الرسائل الخلافية، ونشر صور مزيفة أو خداعية والقصص المصطنعة، لإذكاء الخوف والغضب.

وسقط الأميركيون في فخ الأكاذيب الروسية بمعدل أعلى بكثير، ووجد الباحثون أن معدل التفاعل مع هذا المحتوى كان أعلى تسع مرات عند الأميركيين، ما جعلهم أهدافاً سهلة للدعاية الروسية.



لكن لماذا الأميركيون يقعون أسهل في فخ المتصيدين الروس؟

وفق مجلة "سايكولوجي توداي"، يفسر علم النفس الثقافي ذلك بأن الدول السابقة للاتحاد السوفييتي كانوا "محصنين" أكثر ضد الدعاية الروسية. وبسبب تاريخهم، فإنهم يتوقعون الكذب من الروس.

من ناحية علم النفس الجماعي، يعيش الناس في مجموعات، ما يدفعهم إلى التخلي عن مصالحهم، وحتى حياتهم، لصالح الآخرين، وفي بعض الحالات نصبح متطرفين ومستعدين لقبول العنف باسم جماعة غير شخصية كبيرة هي هويتنا الجماعية.

وبحسب تحليل المجلة النفسية هذا ما حاول المتصيدون الروس فعله، استخدام الهويات الجماعية بطريقة خلافية، من خلال ضرب السود بالبيض، والقوقازيين باللاتينيين، والديموقراطيين بالجمهوريين، وغير ذلك من الاستقطابات.

لكن ما الذي جعل من المجتمع الأميركي هدفاً سهلاً للاستقطاب والرأي المتطرف؟

الأميركيون أكثر عزلة من الأوروبيين. يبلغ متوسط ​​الكثافة السكانية في الولايات المتحدة 92 نسمة لكل ميل مربع، مقابل 143 نسمة لكل ميل مربع في أوروبا. معظم المقيمين في الولايات المتحدة (70 في المائة منهم) يعيشون في منازل منفصلة في البلدات الصغيرة والضواحي، حيث يتعين عليهم القيادة للوصول إلى العمل أو المدرسة أو محل البقالة.

في المقابل، ثلث الأوروبيين يعيشون في منازل منفصلة، والمزيد من الأوروبيين يركبون وسائل النقل العام أو الدراجة أو يسيرون مشياً إلى العمل أو المدرسة أو محل البقالة. 

ويعمل الأميركيون لساعات أطول ويأخذون أيام عطلة أقل من الأوروبيين. الأوروبيون أكثر استعداداً لدفع المال لقضاء وقت الفراغ من الأميركيين. التفضيلات الأميركية للسيارات الشخصية، والبيوت المنفصلة، والمزيد من الدخل، تؤدي إلى انتقال طويل والوحدانية من المنزل إلى العمل.

مع وقتٍ أقل للاختلاط الاجتماعي يشعر الأميركيون بالوحدة (46 في المائة) أكثر من الأوروبيين (6 في المائة).


الافتراضي يعوض الأميركيين عن الواقعي... وهذه فرصة الروس

عندما تكون التفاعلات الاجتماعية الحقيقية أقل، يكون للتفاعلات الافتراضية نطاق أوسع لتحديد الهوية الجماهيرية وتطرّفها. أفاد 71 في المائة من مستخدمي الإنترنت الأميركيين بأنهم يستخدمون وسائل الإعلام الاجتماعية، مقارنة بـ58 في المائة في فرنسا وإيطاليا وإسبانيا، و46 في المائة في ألمانيا وبولندا.

وبحسب المجلة، انقض أساتذة الدعاية الروس على فرصة استخدام وسائل الإعلام الاجتماعية لتحديد وتعبئة الهويات الجماعية الأميركية. ولأن الأميركيين أكثر اعتماداً على وسائل التواصل الاجتماعي، فإن الدعاية الروسية نجحت في تجاوز التوقعات: جعلت العزلة الاجتماعية للأميركيين عرضة للتلاعب في وسائل التواصل الاجتماعي.

العزلة الجسدية هي تفسير ديموغرافي بسيط لظاهرة نفسية معقدة، لكن الرابط ليس من الصعب رؤيته. عدد الأشخاص الذين نخالطهم يتنبأ بعدد الروابط الاجتماعية التي نشكلها.

عندما نواجه عدداً أقل من الأشخاص، يصبح لدينا عدد أقل من الأصدقاء. انخفض عدد المقربين من الأميركيين من ثلاثة إلى اثنين، على مدى الـ25 سنة الماضية، ما يقرب من ثلاثة أضعاف درجة العزلة الاجتماعية.

ومع عدد أقل من الأصدقاء وتفاعلات اجتماعية أقل، أصبح الأميركي وحيداً يطلب بدائل افتراضية عبر الإنترنت. وهذا هو المكان الذي يسكنه المتصيدون الروس.