لماذا يريد السيسي أن يبقى وحيدا؟

28 يناير 2018
الصورة
+ الخط -
تناولت مقالة  سابقة لصاحب هذه السطور الانتخابات الرئاسية في مصر بأنها قد تكون انقلابا في صورة انتخابات، وشرحت أن المؤسسة العسكرية تحاول أن تنأى بنفسها عن الانقسام السياسي، ولذا فإنها ستسعى أن تطيح الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي عمق الانقسام داخلها، من خلال ضرب العقيدة التي تبنى عليها الجيوش، وهي الدفاع عن الأرض، كما أنه حوله إلى جيش وظيفي بامتياز. والآن تحاول المؤسسة أن تفعل ذلك، لكن ثمة صراع ومقاومة من بين بعض الأجنحة التي تقاوم ذلك، ويعلم السيسي هذا جيدا. والوضع الآن بالنسبة له مختلف عما كان عليه في 2013، فالدولة العميقة التي كانت متوافقة بكامل تحالفاتها على دعمه أصبحت الآن منقسمة، بل ويريد جزءٌ منها إطاحته (أظن أنه الجزء الأكبر). بعد عملية تصفيات سياسية واسعة بالحلفاء والخصوم على حد سواء، ناهيك عن عمليات القتل الجماعي، والإخفاء القسري، والقتل خارج القانون، والمحاكمات غير العادلة، والإعدامات الجماعية، والتفريط في الأرض، وتدمير الاقتصاد، يبقى السيسي منفردا، فهو يفتقد الثقة في أقرب المقربين منه، ولذا يريد أن يحكم من خلال الجهاز الذي يترأسه وما زال، وهو جهاز المخابرات الحربية إلى جانب الداخلية، وخصوصا جهاز الأمن الوطني/ أمن الدولة سابقا. وقد أصبح صراع الأجهزة تحت حكمه أشد وطأة عما كان عليه، بل وامتد ليشمل السيطرة على جهاز المخابرات العامة، بإطاحة رئيسها، ونقل تبعيتها لمدير مكتبه.
دمّر السيسي كل تحالفاته التي جاء من خلالها، ودعمته في البداية، ولم يستطع إقامة تحالفاتٍ 
متوازية، ذات طبيعة سياسية أو اقتصادية، تستطيع أن تدعمه باعتباره بديلا للتحالفات القديمة، وأن تكون الماكينة التي يستند إليها في مواجهة خصومه على كل المستويات المختلفة، بما فيها العملية الانتخابية، وازداد الأمر صعوبةً، فقد انضم رجال حسني مبارك إلى جانب الدولة العميقة في تحالفها ضد السيسي. وهنا النقطة المهمة، فالسيسي أصبح غير قادر على خوض الانتخابات، بجهازيه اليتيمين، المخابرات الحربية والأمن الوطني، أو بالمعني الأصح غير قادر علي تزويرها، لأنه لم يعد يمتلك آلة التزوير التي كان يمتلكها مبارك، وهي الحزب الوطني الديمقراطي. حيث كان هذا الحزب، طوال عهد حسني مبارك، بمثابة الهيكل الاقتصادي، والطريق الذي يتم من خلاله الترقي والصعود إلى جهاز الحكم داخل الدولة، كما أنه كان الآلة التنفيذية لعملية تزوير الانتخابات، فبعد أن كانت الداخلية تختار بعض الدوائر، وتقوم بإفراغها لبعض المرشحين، كان الحزب الوطني، من خلال تحالفاته المختلفة، يقوم بعملية التزوير، من خلال الحشد وتوزيع الأموال وغيرهما.
كان الحزب ممتدا داخل المجتمع المصري، ولديه تحالفات وولاءات خاصة في القرى والنجوع، من خلال العصبيات والقبليات في الصعيد، فهي التي تقوم بهذا كله، وتيسر الأمر، أي أن مبارك ورجاله نجحوا في ربط الناس بهم مصلحيا، وهو ما عجز وسيعجز عنه السيسي، حتى لو أصبح رئيسا لفترة مقبلة، فاليوم أصبح الأمر مختلفا، فالداخلية بيد الجنرال، ولكن ليس لديها ذلك الحليف، أو تلك الآلة التنفيذية التي تقوم بعمل التزوير. لذا تقوم هي بنفسها بالحشد، والضغط على موظفي الجهاز الإداري للدولة، لعمل ذلك، وقد تمثل هذا في شراء التوكيلات وغيرها، لإتمام عملية الترشح الرئاسي للسيسي، كما أن أعضاء مجلس الشعب اليوم ليسوا هم أعضاء الحزب الوطني سابقا، المرتبطين سياسيا واقتصاديا ومصلحيا بالحزب، ولعل هذا من إفرازات الثورة ونتائجها، فقد أصبح هناك نوع من الرفض لمثل هذه الأفعال.
من هنا، أصبح الأمر أكثر وضوحا أن الجنرال أصبح وحيدا، لم يعد لديه حلفاء، أو حزب سياسي يقوم بالتعويل عليهم، لذا فإن نزول أي شخص من المؤسسة العسكرية الانتخابات الرئاسية، مثل أحمد شفيق أو سامي عنان، يعني أنه سيوحد خصومه ضده، وبالتالي ستتم إطاحته، بينما لو كان شخصا مدنيا فإن المؤسسة ستكون على الحياد ضده، ولن تكون مقتنعة بأن يكون هناك مدني علي رأس الحكم، لذا يحاول السيسي أن يجعل مرشحيه مدنيين، لضمان العبور إلى الفترة الثانية، كما أن نزوله منفردا يعني أنه يحتاج إلي 5% من أصوات الناخبين المقيدين في الجداول الانتخابية، أي حوالي ثلاثة ملايين صوت، حتى يتمكن من العبور إلى الفترة الثانية، بينما لو نزل ضده أي مرشح مدني آخر، فإن أي نسبة سيحصل عليها ستمكنه من العبور إلى تلك الفترة، وهنا الأزمة. فقد أصبح عاجزا عن جمع تلك الأصوات، لأنه لا يمتلك تلك الآلة، في ظل المقاطعة الشعبية العفوية التي ستمنى بها الانتخابات، كما أن مشهد ديمقراطية الانتخابات وتنافسيتها سيكون موضع تشكيك.
في المقابل، لن يمر ما فعله السيسي مع عنان مرور الكرام داخل المؤسسة العسكرية، فهو يذكّر 
بما كان بين جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر، أي الصراع التاريخي الذي كان ممتدا بين رئاسة الجمهورية ورئاسة الأركان أكثر من ستين عاما من حكم المؤسسة العسكرية، وبالطبع مع اختلاف الظروف والدوافع الآن. المؤكد أن المؤسسة أصبحت منقسمة، وبكل وضوح، وستكون تداعيات هذا الانقسام كبيرة وسريعة. أغلق السيسي، ومن معه، كل الطرق للتغيير السلمي، ما يعني أنه يدفع باتجاه العنف كأحد مظاهر التغيير، أو أنه يقود إلى ثورة جديدة ستكون كلفتها باهظة. تكلفة بقاء السيسي في السلطة الآن عالية، سواء على مستوى المؤسسة العسكرية، أو على مستوى حلفائه الخارجيين الذين قد يرون في اشتعال الأوضاع مرة أخرى تهديدا حقيقيا لهم قد يؤدي إلى اشتعال الأوضاع في المنطقة كلها، على الرغم من حرصهم الشديد على الدفع بكل قوتهم لإيقاف ذلك أو حدوثه ثانية.
أخرج البيان الذي أصدره السيسي بشأن عنان الصراع المكتوم إلى العلن، وجعل الأنظار كلها تتجه إلى طبيعة هذا الصراع ومستقبله، كما أنه أكد أن كل المحاولات التي بذلتها المؤسسة العسكرية، منذ قيام الثورة في يناير 2011، لتجنب الانقسام السياسي، أو الدخول في معتركه، باءت بالفشل. ستحاول المؤسسة العسكرية أن تجد الحل لذلك، قبل أن يفوت الأوان.