لماذا يخاف سوريون من الضربات؟

لماذا يخاف سوريون من الضربات؟

06 أكتوبر 2014

سوريون قرب حدود تركيا يترقبون الغارات على "داعش"(29سبتمبر/2014/Getty)

+ الخط -

سرعان ما تراجعت آمال السوريين، بعد بدء الحلف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية ضرباته مواقع داعش وأخواتها في 23 سبتمبر/أيلول الماضي، وقد خبروا خذلان الخارج عموماً، في محطات عديدة للمقتلة الرهيبة التي أحاقت بهم منذ ثلاث سنوات ونصف السنة، ما دفعهم مبكراً إلى تسمية ثورتهم بـ"اليتيمة"، رافعين شعار "يا الله ما إلنا غيرك يا الله"، ليحل محل "الأمل" في أن تؤدي تلك الضربات إلى خلاصٍ ما، مع ميل متزايد للشعور بالقلق والخوف، عبّر عن نفسه في ريف ادلب في مظاهرات منددة بالضربات، وجاء أوضح تعبير من أطراف المعارضة الإسلامية، كما "الجبهة الاسلامية"، وحتى من فصائل محسوبة على تيار "الاعتدال"، كما حركة "حزم" معبرين عن رفضهم الضربات ومبرراتها.

لم تأت خيبة الامل من الفراغ، فالعملية التي وصلت، بحسب "البنتاغون"، حتى يوم 27 سبتمبر/أيلول، إلى 66 غارة أميركية، يضاف إليها 23 غارة، نفذتها مقاتلات الدول العربية المشاركة (الاردن والسعودية والإمارات والبحرين وقطر) كانت نتائجها متواضعة على الأرض، فهي لم توقف زحف "داعش" إلى عين العرب (كوباني)، وأدت في أكثر من مرة إلى مقتل مدنيين.

هذه النتائج الاولية "العسكرية" المتواضعة، ليست مبعث القلق الوحيد، بل تبدو العملية في مجملها، "معطوبة"، بسبب نقاط ضعف يمكن إجمال أبرزها: تحييد نظام الأسد المسؤول الرئيسي عن ظهور وتنامي داعش وأخواتها في سورية، من دون أن يحدد الحلف الدولي مصيره وموقعه داخل العملية الجارية، ولا حتى ما بعد العملية، تاركاً الأمر رهناً للتكهنات، على الرغم من أن الكل يعلم أنه يضاهي "داعش"، من حيث النتائج والاعتداءات، فيما ارتكبه من مجازر بحق السوريين. ونقطة ضعف أخرى، هي ترك موضوع ملء الفراغ بعد دحر "داعش وأخواتها" المفترض، والذي يحتل مناطق واسعة من شمال سورية وشرقها، غامضاً، ويجري الحديث عن قوة يتم تدريبها في السعودية، من خمسة آلاف إلى خمسة عشر الف مقاتل، للقيام بالدور. لكن، ليس واضحاً كيف يمكنها الإمساك بالأرض ومنافسة قوى وفصائل، تقاتل في المنطقة منذ ثلاث سنوات، لن تسلم مواقعها إلى قوة "مصنعة" أميركياً إلا مكرهةً.

ثم إنه لا ضمانات بعدم استفادة نظام الأسد من الضربات، خصوصاً أنه مستمر بقصف المناطق الخارجة عن سيطرته، من ريف دمشق إلى درعا وحماه وحلب، بل، وبحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، يقصف مناطق في دير الزور، وآلته العسكرية تعمل وكأن شيئاً لم يحدث. أكثر من ذلك، استخدم الكيماوي أكثر من مرة بالتزامن مع الضربات، واسترجع عدرا العمالية، تحت سمع وبصر أساطيل الحلف الدولي وطائراته وصواريخه فائقة الدقة، ومن غير المفهوم كيف يتسنى له أن يستمر في تنفيذ غارات جوية في مناطق عمليات "الحلف الدولي"، كما في دير الزور وحلب وحماه، من دون وجود شكل من التنسيق العسكري مع أميركا.

وبالنظر إلى المعطيات السابقة، من المشكوك فيه أن تؤدي الضربات إلى القضاء، فعلاً، على داعش وأخواتها، بل يحذّر خبراء من تجذر ظاهرة التطرف، وتوسعها وظهورها بأسماء مختلفة، يعزز هذا الاحتمال موقف الفصائل الإسلامية المقاتلة، الرافضة، بشكل علني أو مضمر، عمليات الحلف الدولي، فهي تميز بين جبهة النصرة و"داعش"، وإن كان مسلّماً به أنها ترفض "داعش"، وخاضت ضدها معارك، فإن هذا لا ينسحب على "جبهة النصرة" التي تقاتل معها في جبهات مشتركة، فهي، بنظرهم، جزء من قوى "الجهاد" ضد نظام الأسد، وكذلك الأمر بالنسبة لحركة "أحرار الشام". بالتالي، من المستبعد أن لا تمد لها يد العون في المعركة المعلنة ضدها. في المقابل، لم يقدم الحلف الدولي أي مؤشرات أو تصور لكيفية للتعامل مع هذا التشابك بين القوى المصنفة "إرهابية" وغير الإرهابية، على الأرض.

لم تقدم إدارة أوباما، الجهة القائدة للحلف الدولي، أجوبةً مقنعة للتعامل مع نقاط الضعف المذكورة، إذ يؤكد مسؤولوها، أن لا مكان لنظام الأسد، لكنها عملياً تتركه مطلق اليدين في تغوله على السوريين، ما يفقدها المصداقية، وكان من الممكن بالحد الأدنى، اتخاذ جملة تدابير تضمن، من خلالها، تأييد السوريين، من قبيل فرض منطقة حظر جوي، على الأقل في مناطق عمليات الحلف، وفرض إدخال المساعدات الغذائية الأممية للمناطق المحاصرة، أو الضغط بموضوع الكيماوي، أو حتى فرض وقف "إجباري" لإطلاق النار لضمان سير العمليات.. إلخ.

النقطة الأبرز التي اعتمدتها الولايات المتحدة لتحصين عمليتها وتسويقها، هو إشراك الدول العربية الخمس (الأردن والسعودية وقطر والبحرين والإمارات)، لسحب ورقة تصوير الصراع على أنه "حرب صليبية ضد الإسلام"، لكن هذا العامل على أهميته لن يؤدي إلى تجفيف موارد "داعش" البشرية، والمتطرفون آخر ما يفكرون به أن يستمدوا "شرعيتهم" من مواقف الأنظمة الرسمية.

حتى لو فرضنا جدلاً أن "الحلف الأميركي" تغلب عن نقاط ضعفه، السابقة الذكر، فإن الإطار الزمني للعملية، ولتدريب مقاتلين من المعارضة السورية "المعتدلة"، والذي يجري تحديده بين سنة إلى ثلاث سنوات، يكفي وحده ليحبط أي آمال، ليس فقط بالوصول إلى نتائج تقرب السوريين من إسقاط نظام الأسد، بل للتشكيك بإمكانية استمرار الاصطفاف السياسي العالمي الداعم والمشترك بالضربات، في زمن تتبدل فيه المواقف من يوم إلى آخر.

المقولة الشهيرة أن من السهل أن تبدأ بالحرب، لكن، من الصعب أن تتحكم بخواتمها، تفعل فعلها هنا، يوجد اعتقاد، اليوم، إن أميركا، وعلى غرار تعاملها مع الملف الكيماوي، تريد التخلص من "العدو" الأخطر على مصالحها، وعلى شعوبها وبلدانها وحلفائها، وبحسب مآل المعركة وتطورها، ستفكر في ما هو أقل خطورة، بمساعدة السوريين بالوصول إلى "حل ما"، وفقاً لمعطيات الأرض وموازين القوى.

DFA85A82-084E-4893-8DEC-7CCF85756A53
جديع دواره

صحفي سوري، مواليد 1967، عمل في موقع سيريا نيوز حتى عام 2010، وفي مجلة "الاقتصادي" حتى منتصف 2011. معتقل سياسي تسع سنوات (1989 - 1998).