لماذا يثور المصريون؟

22 سبتمبر 2019
الصورة
الفشل الاقتصادي والديون والفقر من أسباب الاحتجاجات(Getty)


في عام 2014 وعد السيسي المصريين بالمن والسلوى والرفاهية الاقتصادية والثراء وتحسين الدخول والأحوال المعيشية، كما أطلق وعوداً بخفض معدلات الفقر والديون وتنفيذ مشروعات قومية كبرى.

ووعد السيسي كذلك بتنفيذ مشروعات كبرى تساهم في حل أزمة السكن خاصة للطبقات الفقيرة عبر تأسيس مليون وحدة سكنية بالتعاون مع شركة "أرابيتك" الإماراتية وبتكلفة 280 مليار جنيه "ما يعادل 40 مليار دولار بأسعار صرف ذلك الوقت" وبتمويل إماراتي مصري.

كما وعد أيضاً بإحداث طفرة في قطاع الزراعة والأمن الغذائي عبر توسيع الرقعة الزراعية واستصلاح 4 ملايين فدان منها 1.5 مليون خلال عامين فقط، وهو ما يزيد عن 50 في المائة من اجمالي ما تملكه مصر من أراض زراعية بالفعل.

وجاء الوعد الأخير في الوقت الذي كان الحديث يدور فيه عن أن البلاد ستواجه نقصا حادا في موارد المياه بسبب سد النهضة الإثيوبي الذي سيقلل من تدفق مياه النيل المتجهة نحو مصر.

كما وعد السيسي بإصلاح القطاعات الخدمية الأخرى المتعلقة بالمواطن من تعليم ورعاية صحية ورصف طرق وتزويد القرى بشبكات المياه والصرف الصحي وغيرها، وتأسيس 26 مدينة ومركزاً سياحيا وثمانية مطارات.


حل أزمة البطالة

وللحد من أزمة البطالة المتفاقمة في البلاد وعد السيسي بإنشاء 22 مدينة صناعية جديدة توفر فرص عمل لملايين الشباب العاطل، وحل ملف آلاف المصانع المغلقة منذ أيام مبارك، ووعد أيضا بحل أزمة عجز الموازنة والدين العام حيث أكد على أنه "لا ينبغي أن ترث الأجيال القادمة ديوناً خارجية وداخلية بقيمة 1.7 تريليون جنيه".


وقال السيسي نصا مع إعلان ترشحه لمنصب الرئاسة في شهر مارس/آذار 2014 " هناك ملايين الشباب يعانون من البطالة، المصريون يستحقون حياة أفضل، يستحقون العيش بكرامة وأمن، وأن يكون لهم الحق في الحصول على فرصة عمل والغذاء والتعليم والعلاج والمسكن، وأن تكون هذه الحقوق في متناول كل إنسان".

وفي مناسبات عدة وعقب انتخابه رئيساً للبلاد وعد السيسي، بالعمل على تحقيق "العيش والحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية" للمصريين، ووضع آليات لضبط السوق بالتعاون مع القطاع الخاص وصولاً لسياسات سعرية منضبطة.

ومرت السنوات وانتظر المصريون تحسين أحوالهم الاقتصادية والمعيشية وخفض الأسعار وحماية العملة المحلية وفتح آلاف المصانع كما وعد السيسي مرات عدة، كما انتظروا إصلاحا اقتصاديا حقيقيا، لا إصلاحا نقديا وماليا جرى على حساب المواطن وإيرادات الدولة المحدودة.

المعايرة بالفقر

وسنة بعد أخرى لم يتحقق ما وعد به السيسي، بل صدم رجل الشارع بتصريحاته ووعوده المتكررة بخفض الأسعار، بل ووصل الأمر إلى حد معايرة المصريين بالفقر والعوز قائلا في مناسبات عدة إن "مصر فقيرة أوي أوي أوي"، وإن مصر أمة عوز، و"أجيب منين".

ولم يكتف بذلك بل وجه إيرادات البلاد المحدودة ومخصصات الموازنة العامة لإقامة مشروعات لا تمثل أولوية للاقتصاد والمواطن مثل تفريعة قناة السويس السابعة التي كلفت الموازنة أكثر من 100 مليار جنيه ما بين قروض من المواطنين " 8 مليارات دولار أو ما يعادل 64 مليار جنيه بأسعار صرف 2015"، وأسعار فائدة مستحقة عليها، والعاصمة الإدارية الجديدة البالغة تكلفة المرحلة الأولى منها 45 مليار دولار.


ولم يكتف بذلك بل أغرق البلاد في الديون الخارجية والداخلية التي حصل عليها من كل حدب وصوب، فقد قفز حجم الدين العام من 1.7 تريليون إلى ما يقرب من 7 تريليونات جنيه حاليا، وتسببت السياسات المتبعة في رهن القرار الاقتصادي المصري للدائنين وفي مقدمتهم صندوق النقد الدولي الذي عين له ممثلاً مقيما في القاهرة للرقابة على الموازنة وأعمال الحكومة المالية وتحديد أولويات الدولة لتكون على حسب أجندة الصندوق وليس احتياجات المواطن والاقتصاد.

أين مليارات الخليج؟

ولم يستفد المواطن في عهد حكم السيسي من مليارات دول الخليج التي تدفقت على البلاد منذ منتصف 2013 وقدرت قيمتها بأكثر من 60 مليار دولار، إضافة إلى 23 مليار دولار تم الحصول عليها من السعودية في شهر إبريل 2016.

كما لم يستفد المواطن من مليارات الدولارات التي قالت الحكومة إنها تدفقت على البلاد عقب إقامة مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادي في مارس 2015.

وتمر نحو 6 سنوات، وبدلاً من أن يتحسن المستوى المعيشي للمواطن، حدث العكس تماما، حيث خفضت الحكومة فاتورة دعم السلع الرئيسية مقابل اجراء زيادات ضخمة في مخصصات الأمن والرئاسة، وتخصيص ملايين الدولارات لشراء الطائرات الرئاسية رغم امتلاك الرئاسة أسطولا ضخما.

ورفعت الحكومة أسعار السكر والزيوت والسجائر وفواتير الخدمات العامة مثل الكهرباء والمياه والرسوم الحكومية والضرائب، وحذفت ملايين الأسر المصرية من بطاقة التموين التي يعتمد عليها الفقراء في الحصول على السلع الأساسية.

وبسبب السياسات الحكومية التي لم تراعِ الفقراء أو حتى الطبقة الوسطى قفز معدل التضخم في العام 2017 لمستويات لم تشهدها البلاد منذ الحرب العالمية الثانية، وصاحب ذلك تهاوي سعر صرف الجنيه وفقدانه أكثر من 50% من قيمته عقب تعويمه في نوفمبر 2016.

أين أموال الدعم؟

وبدلا من أن تدعم الحكومة الفقراء والأرامل والمطلقات بالمليارات التي توفرت للخزانة العامة من زيادة أسعار الوقود 5 مرات خلال 5 سنوات، راحت تنفقها في مشروعات لا تعود بالنفع على الموطن، علماً بأن هذه الوفورات التي تحققت من زيادة أسعار البنزين والسولار بلغت قيمتها 35.5 مليار جنيه في آخر عام مالي، فما بالنا بما تحقق منذ زيادة كل الأسعار بدءاً من العام 2014.

ولم توجه الحكومة المليارات التي تم توفيرها من زيادة فواتير الكهرباء والمياه والرسوم الحكومية لإقامة مدارس وجامعات ومستشفيات، بل راحت توجه هذه المليارات لإقامة مزيد من القصور الرئاسية في العاصمة الإدارية الجديدة والعلمين وغيرها، وهو ما اعترف به المقاول والفنان محمد علي في فيديوهاته الأخيرة.

وكأن فقراء مصر يحتاجون قصوراً واستراحات رئاسية ودار أوبرا ومقار جديدة لمجلس الوزراء أكثر من حاجتهم إلى الغذاء والدواء والمسكن.


وبدلا من أن يستفيد المصريون من ثروات بلادهم وأبرزها حقل ظهر الذي يعد أكبر حقل لإنتاج الغاز في منطقة شرق المتوسط فوجئوا بحكومات السيسي المتعاقبة ترفع سعر فاتورة أنبوبة غاز الطهي إلى معدلات قياسية، وتصعب الحياة على ملايين الأسر الفقيرة، بل وتبرم اتفاقا طويل الأجل لاستيراد الغاز الطبيعي من إسرائيل بقيمة 15 مليارا ولمدة 10 سنوات، وهو ما يصب في مصلحة الخزانة الإسرائيلية لا صالح الخزانة المصرية.

صناعة اليأس

لقد دفعت سياسات السيسي المصريين إلى فقدان الأمل في أي إصلاح اقتصادي أو سياسي، وباتت النجاحات الاقتصادية التي تعلنها الحكومة على الورق فقط وفي البيانات الرسمية.

أما المواطن فحاله لا يحسد عليه لأنه وصل إلى قناعة هي أنه لا خفض للأسعار أو زيادات حقيقية في الدخول، ولا مستقبل له في حياة كريمة، ولا أمل في الحصول على فرصة عمل أو فتح المصانع المغلقة منذ سنوات.

ولا أمل كذلك في الاستفادة من ثروات بلاده، أو في الحصول على غاز رخيص رغم امتلاك البلاد أكبر حقل غاز في البحر المتوسط. ولا أمل في رعاية صحية أو تعليم.

لقد أسودت الدنيا أمام المواطن على كل المستويات الاقتصادية والمعيشية والسياسية والاجتماعية، وانتشر الفساد، وسيطرت طبقة محدودة على ثروات البلاد.

ومن هنا خرج إلى الشوارع ليطالب مجدداً بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية، وهي نفس الشعارات التي رفعها في ثورة 25 يناير 2011.