لماذا يؤخذ البوس إلى المحكمة؟

10 اغسطس 2020

لا تحكي لنا أوراق الصحف اسم ذلك "العاشق سيئ الحظ"، ولا أي معلومات عن تكوينه الاجتماعي أو عن هدفه الحقيقي من تلك البوسة الخاطفة التي جابت له الكافية، كل ما تقوله لنا أنه طالب صعيدي من أبناء محافظة المنيا، وأنه كان حسن الظن بالدنيا، لدرجة أنه تخيل أن تلك القبلة التي طبعها على زجاج القطار ستمر بسلام، لكنها أخذته إلى قسم البوليس ثم إلى النيابة ومنها إلى درجات التقاضي المختلفة بما فيها محكمة النقض شخصياً.

حين ذهبت القضية في البداية إلى محكمة المنيا الجزئية، شعر قاضيها أن البوليس والنيابة كبّرا الموضوع أكثر من اللازم، فالمثبت في الأوراق أن الطالب الذي كان ذاهباً مع زملائه في رحلة مدرسية، كان يقف مع ثلاثة أصدقاء على رصيف المحطة، وحين توجه ناظر المحطة لدق الجرس لكي يتحرك القطار، توجه الطالب نحو القطار الذي يستعد للحركة، وقام بطبع قبلة على زجاج نافذة القطار والتي كانت تقف خلفها فتاة إلى جوارها يقف طفل ورجل متقدم في السن، فصاح الرجل الذي يقف إلى جوار الفتاة: "أما قلة حيا"، لتلفت صيحته الأنظار إلى الطالب، ويقوم بعض المواطنين الشرفاء بالإمساك به وتسليمه إلى البوليس، وحين استجوبت النيابة شهود الواقعة قرر أغلبهم أن "القبلة لم تكن في مقابل الوجه بل في مقابل الجسم".

في تغطيتها للقضية والتي نشرت بتاريخ 31 ديسمبر 1951 تحت عنوان (قضية شاب طبع قبلة على زجاج نافذة للقطار وقفت خلفها فتاة)، قالت صحيفة (المصري) الوفدية واسعة الانتشار إن قاضي محكمة أول درجة توقف عند ما قالته النيابة، فدارت بينه وبين الشاهد الأول المناقشة التالية:

"س ـ قلت في المحضر أن المتهم قبّل الزجاج وليس البنت؟

ج ـ أيوه.. الشباك كان مقفول.. والبوسة جاءت في الزجاج.

س ـ هل البنت اشتكت؟

ج ـ لا."

حين استدعت المحكمة الشاهد الثاني وهو ناظر المحطة الذي قام بضرب الجرس وشاهد لحظة التقبيل، سألته عما إذا كان المتهم قد قصد بالقبلة الطفل وليس الفتاة، فلم يترك للقاضي فرصة أن يسمح للشاب بالإفلات من عقوبة البوس، وقال إن "الفتاة كانت هي المقصودة بالقبلة لأن وجهها كان في مواجهة الزجاج"، وحين سأله القاضي عن المسافة التي توجد بين الفتاة وبين النافذة، قال إنه "كان بينه وبينها أربعة أشبار"، ليركز الدفاع على مسألة المسافات في محاولة تبرئة المتهم، فيقول في مرافعته إنه لا أساس للتهمة، "فالمتهم قصير لا يصل إلى ديوان النافذة".

كان من الصعب في ظل تطورات متسارعة ومذهلة كهذه، أن أجد ذكراً للشاب الذي راح ضحية تقبيل الزجاج

لكن القاضي لم يكتف بالاستناد إلى نقطة المسافات والأشبار، وقرر أن يكون حكمه أكثر وضوحاً، فجاء في الحكم الذي أصدره أن القبلات مباحة في محطات القطارات، وأنه لا يمكن تخصيص تلك القبلة التي طبعها الطالب على النافذة بوصفها قبلة للفتاة، خصوصاً وأنها كانت تبعد عن الزجاج ثلاثة أشبار، فضلاً عن أن المتهم طالب له من ثقافته ما ينبو به عن مثل هذا الفعل، ولذلك فقد قضت له بالبراءة.

استفز الحكم اللين النيابة الخشنة التي لم ترغب في تفويت المسألة، لكي تجعل من ذلك الطالب عبرة لكل من تسول له نفسه طبع قبلات على زجاج نوافذ القطارات وما شابهها، فقررت استئناف الحكم، ليتضح أنها كانت محقة في إحسان الظن بمحكمة الاستئناف التي رأت في حكمها الذي أعقب سلسلة من المرافعات أن "محكمة أول درجة جانبها الصواب، وأنه لا شك أن الفتاة كانت هي المقصودة بالقبلة بدليل العبارة التي نطق بها الرجل الذي كان يصاحب الفتاة والغلام، وهي قوله أن ما حدث كان (قلة حيا) وأن القبلات في المحطة لا تسامح فيها إلا بالنسبة للأقرباء، لذلك اعتبرت المحكمة أن ما وقع من المتهم يعتبر أمراً مخالفاً للآداب، لم يكن يليق أن يقدم عليه هذا الفتى وهو في سن تؤكد معرفته لمثل هذه المسائل الغريزية، ولذلك فقد قضت بمعاقبته بغرامة خمسة جنيهات مع وقف التنفيذ لظروفه كطالب".

لم تشر صحيفة (المصري) إلى موقف الفتاة وأسرتها مما حدث، ربما لأن البوليس رأى أن الزج بالفتاة في القضية سيؤثر على سمعتها، لذلك اكتفى بأقوال الشهود الذين سارعوا للقبض على الشاب، ومع أن هؤلاء الشهود قرروا أن الفتاة لم تشتك من تلك القبلة، على عكس الرجل المتقدم في السن الذي كان معها، والذي لم نعرف هل كان أباها أم جدها أو ربما زوجها، إلا أن الطالب المحكوم عليه بالغرامة، لم يستسلم لحكم الاستئناف، وشعر أنه تعرض للظلم، وأن الحكم سيسجل في صحيفة سوابقه، حتى لو كان حكماً بالغرامة، لذلك قرر أن يطعن في الحكم بطريق النقض، ويتبنى هذه المرة رواية مختلفة لحادثة القبلة، حيث استند محاميه في الطعن إلى أن الفعل الذي وقع منه لا عقاب عليه، "فإن كل ما نسب إليه أنه قبّل الزجاج، ولا نص في القانون على المعاقبة على تقبيل الزجاج، فضلاً عن أن المحكمة قد أخلّت بحق الدفاع حيث لم تحقق ما ذكره من أن المتهم قصير القامة لا يمكن أن يصل إلى ديوان النافذة بأي حال من الأحوال خصوصاً وقد قيل أنه قبّل الزجاج والقطار يتحرك"، لتلخص صحيفة المصري الجدل الذي أثارته القضية قائلة في عناوين الخبر: "محكمة أول درجة تقول إن القبلات مباحة بالمحطات، ومحكمة الاستئناف تقول إن ذلك مقصور على الأقرباء، وعلى محكمة النقض أن تفصل: هل هناك عقاب على تقبيل الزجاج أم لا؟".

كان يفترض بمحكمة النقض أن تصدر حكمها في القضية يوم 21 يناير 1952، وكنت أتوقع أن تقوم صحيفة (المصري) بتغطية حكم محكمة النقض في أعدادها التي تلت يوم 21 يناير، خصوصاً أنها أفردت مساحة كبيرة للقضية من قبل، لكن أوضاع البلاد كانت قد تغيرت ولم يعد فيها ما يسمح بالاهتمام بتلك القضية، لذلك أفردت الصحيفة المساحة المخصصة لأخبار الحوادث والقضايا لمتابعة أخبار طلبة آخرين شاركوا في مظاهرات حاشدة وعنيفة احتجاجاً على عربدة القوات الإنجليزية في منطقة القناة، لكن الصحيفة التابعة لحزب الوفد الذي كان وقتها يحكم البلاد بعد نجاحه الساحق في انتخابات أعادته إلى الحكم بعد طول غياب، قامت بتغطية المظاهرات بشكل سلبي، دون أن تتطرق إلى أسباب قيامها، مثلما كانت تفعل حين يوجد حزب الوفد في مقاعد المعارضة.

تحت عنوان (مصرع طالبين وإصابة 12) كتبت صحيفة (المصري): "أضرب صباح أمس طلبة مدرسة عمرو بن العاص الثانوية عن الدراسة وخرجوا من المدرسة الواقعة بحي مصر القديمة في مظاهرة وهم يرددون هتافات عدائية نابية، فنصحهم رجال البوليس بالتفرق والامتناع عن مثل هذه الهتافات الخطيرة، فلم يمتثلوا وأخذوا يقذفون رجال البوليس والسيارات والمارة بالطوب والحجارة وقلبوا إحدى قاطرات الترام رقم 30 وأشعلوا النار فيها ولما حاول البوليس وقف هذا الاعتداء وإطفاء النار قذفوا رجاله بالحجارة، مما اضطرت معه القوة إلى إطلاق بعض الأعيرة النارية في الهواء للإرهاب، فاعتصم الطلبة بالمدرسة وصعد فريق منهم إلى سطح المبنى وعاودوا قذف القوة بالحجارة وبكل ما وقع تحت أيديهم من أثاث المدرسة حتى امتلأ الشارع بحطامه، وقد نتج عن ذلك إتلاف التليفونات بالمنطقة ثم أخذوا يلقون إلى الطريق بخرق مشتعلة، وأصيب من رجال القوة الصاغ محمد صالح أحمد نائب مأمور قسم مصر القديمة والملازم أول حنفي عبد الفتاح و9 من رجال البوليس إصابات مختلفة بعضها شديد، كما أصيب بعض الطلبة، وتوفي الطالب محمد الشناوي بعد نقله إلى المستشفى متاثرا بإصابات في رأسه".

استفز الحكم اللين النيابة الخشنة التي لم ترغب في تفويت المسألة، لكي تجعل من ذلك الطالب عبرة لكل من تسول له نفسه طبع قبلات على زجاج نوافذ القطارات وما شابهها

ثم أضافت الصحيفة تفاصيل تثبت أن ما قام به طلبة مدرسة مصر القديمة كان جزءاً من حركة أوسع قائلة: "وقد خرج أيضا في الوقت نفسه طلبة مدرستي فؤاد الأول الثانوية والحسينية الثانوية في مظاهرة بشارع العباسية، وقد تمكن مأمور القسم بمعاونة حضرة ناظر مدرسة الحسينية من إقناع الطلبة بالعودة إلى مدارسهم، إلا أنه قد حدث بعد ذلك أن خرج طلبة مدرسة فؤاد الأول واتجهوا إلى مدرسة الحسينية لإخراج طلبتها ولما وجدوا رجال البوليس في طريقهم قذفوهم بالطوب والحجارة وهم يرددون هتافات عدائية خطيرة ثم أطلقوا على القوة أعيرة نارية من أسلحة كانوا يحملونها فأصيب الأومباشي نبوي حسن الليثي بمقذوف ناري إصابة بالغة، وعندئذ اضطرت القوة إلى إطلاق أعيرة نارية خالية من المقذوفات (فشنك) في الهواء للإرهاب، ولكن الطلبة استمروا في تظاهرهم واعتصم بعضهم داخل المدرسة وعلى سطحها وأسطح العمارات المجاورة واستمروا في إطلاق النار على القوة فسقط أيضا الأومباشي أحمد عبد المعطي جريحا على الأرض مصابا بعيار، وأصيب خمسة من العساكر من رجال القوة إصابات مختلفة فأطلق البوليس النار في الهواء من البنادق التي تطلق الرش للإرهاب وقد تمكنت القوة من ضبط طالبين، وأصيب اثنا عشر طالبا وتوفي أحدهم وهو الطالب سمير أبو النجا، وتبين إن إصابته من عيار ناري من الرصاص الذي كان يطلقه بعض الطلبة، ولم يكن رجال البوليس يحملون بنادق تطلق الرصاص وتمكن البوليس بعد ذلك من تفريق المظاهرة".

كانت تغطية الصحيفة منحازة بالكامل لوزارة الداخلية التي يتولاها القيادي الوفدي فؤاد سراج الدين، وعلى عكس ما كانت تفعله الصحيفة من قبل حين تقوم بتغطية مظاهرات الطلبة الوفديين خلال وجود الوفد في المعارضة، لم تكتب أي إشارة إلى أهداف الطلبة من المظاهرات، مشيرة إلى أن مجلس الوزراء برئاسة مصطفى النحاس قام بتكليف وزير المعارف الدكتور طه حسين بإغلاق كل مدرسة يخل التلاميذ فيها بنظام الدراسة إخلالا خطرا حتى بدء العام الدراسي القادم، وفصل الطلبة الذين يشاركون في الإخلال بالدراسة، وأعلنت عن تأجيل زيارة معالي الدكتور طه حسين باشا إلى المنصورة لافتتاح المدارس التي تبرع أعيان الإقليم ببنائها، ومع أن وفداً من أهالي الطلاب حرص على الالتقاء بطه حسين لإقناعه بالعدول عن قرار إغلاق المدارس، إلا أن طه حسين أصر على الاستمرار في القرار حماية لأرواح الطلاب، وقام بإلقاء كلمة بليغة نعى فيها الطالبين القتيلين اللذين كان أحدهما يفترض أن يحتفل بعيد ميلاده في نفس اليوم، وأعرب عن ضيقه بما جرى، وقال إنه لولا أنه لا يحب أن يتهم بأنه فر من تحمل المسؤولية لأعلن استقالته، ليخرج أهالي الطلبة من عنده وقد هدأت نفوسهم، في نفس الوقت الذي أصدر فيه الدكتور عبد الوهاب مورو باشا مدير جامعة فؤاد والدكتور محمد كامل حسين بك مدير جامعة إبراهيم الأول قرارا بتعطيل الدراسة مؤقتا، لكن تلك المظاهرات الحاشدة نُسيت بعد ذلك وتراجع الاهتمام بضحاياها، لأن الاهتمام انصب بعدها على مذبحة ضباط الشرطة التي وقعت في الإسماعيلية على يد قوات الاحتلال الإنجليزي في الخامس والعشرين من يناير، ثم على تطورات حريق القاهرة الرهيب الذي أطاح بالوزارة الوفدية وشكل المسمار قبل الأخير في نعش الملكية.

كان من الصعب في ظل تطورات متسارعة ومذهلة كهذه، أن أجد ذكراً للشاب الذي راح ضحية تقبيل الزجاج، وحين فشلت في معرفة مصيره بعد بحث شمل صحف (المصري) و(المقطم) و(الأهرام)، لم أستطع مغالبة خيال ألح علي أنه خلال توجهه مع والده ومحاميه لحضور جلسة النقض، قرر أن ينضم إلى الطلبة المشتبكين مع البوليس في شوارع القاهرة، وساهم معهم في قلب الترام وحرق إحدى قاطراته، انتقاماً لما أصابه من ظلم، لمجرد أنه قام بتقبيل الزجاج، ولا أظنك ستلومه لو كان قد فعل.