لماذا لا يصدّقون مقتل البغدادي؟

لماذا لا يصدّقون مقتل البغدادي؟

02 نوفمبر 2019
الصورة
+ الخط -
ما إن أعلن عن مقتل الخليفة الموهوم، حتى انطلق طوفان من التعليقات والتحليلات التآمرية المكرّرة حد الملل. كالمعتاد، أبو بكر البغدادي مجرّد ممثل بارع، وموعد العملية دليل بحد ذاته لأنها تدعم الرئيس الأميركي ترامب قبل الانتخابات الرئاسية في بلاده، بل إن مثقفين وصحافيين نشروا صورا لشخص سوري حضر لقاء قائد الجيش السوري الحر، العميد سليم إدريس، مع السيناتور ماكين، وقالوا إن هذا هو البغدادي! 
الظاهرة متكرّرة، شهدناها مع هجمات "11 سبتمبر" في 2001، ومع أسامة بن لادن. وفي المجمل أسبابها عقلية ذاتية، وليس بسبب نقص المعلومات، فتنظيم القاعدة نشر وصايا المنفذين، ومقاطع مصورة لهم قبل العملية، ولا فائدة.
السبب الأول هو اعتياد العقلية العربية على الثنائيات المبسطة، خير مطلق أو شر مطلق، وعدم القدرة على فهم أوضاع مركبة ومعقدة، تذخر بها الجوانب السياسية. بدلاً من فهم تفاصيل نشأة تنظيم داعش وسقوطه، أو حتى فقط تفاصيل واقعة الاستهداف الأخيرة، والتي شملت هرب البغدادي أيضاً من ملاحقات هيئة تحرير الشام، الحليف اللدود السابق، وكذلك العثور على البغدادي في منطقةٍ فيها نفوذ جماعة أنصار الدين.. إلخ، من الأسهل إطلاق كلمة واحدة، عميل أميركي.
سبب ثانٍ هو الهرب من مواجهة الأسئلة الصعبة، حيل نفسية دفاعية، فالبغدادي وجماعته حققوا بالضبط ما يمثل مخيالاً مثالياً جمعياً لقطاع شعبي واسع. وبالقلب منه الإسلاميون العرب، بمختلف أطيافهم. لقد تم إعلان الخلافة ذلك الحلم الرائع، وبيد قوةٍ تسيطر على مساحة دولة كاملة فعلا، دولةٍ يخضع فيها ملايين السكان إلى "شرع الله" بلا ذرّة مهادنة، أيدِ تقطع وظهور تُجلد، النقاب مفروضٌ على النساء بقوة الدولة، والجهاد قائم، والحدود بين الدول تُزال، بل حتى السبي قد عاد أيضاً وأصبح اغتصاب الأيزيديات ممارسةً يتقرّب بها المجرمون إلى الله.
في خطابات إسلاميين عديدين "وسطيين"، هذا هو حرفيا التطبيق المطلوب، على الرغم من اختلاف وسيلتهم التي تدعو إلى تغير بطيء. ها قد أصبحت أمامكم عيانا بيانا. هل هذا ما تريدون فعلا؟ وإذا لم يكن هذا ما تريدون، فمن أنتم وماذا تريدون؟!
جانب ثالث هو إدمان المظلومية، فكل ما نعانيه سببه قوى خارجية أسطورية، أما نحن فإننا جميعاً، بكل فئاتنا، الضحايا المظلومون. وبقدر ما تحمل هذه النظرة من تطهّرية ذاتية، بقدر ما تحمل انهزامية أيضاً، فنحن هنا المفعول به دائماً وأبداً، بلا مقعد واحد على مائدة الفعل، على الرغم من أن السياسة وعواملها المعقدة لا تمضي بهذا الشكل الخطّي أبدا.
وعلى الرغم من أنه لا يمكن إغفال هذه المظلومية الحقيقية، سواء من استبداد الأنظمة الحاكمة وفسادها، أو من التدخل الخارجي، فإن هذا لا يمثل سببا لإغفال الجرائم التي ترتكبها أطراف اجتماعية أو سياسية خارج منظومات السلطتين، المحلية والخارجية.
جانب رابع هو استبطان الوعي الجمعي العربي للاستهوان بحياة الأفراد، طالما الهدف هو غاية سامية ما، "لبيك واجعل من جماجمنا لعزّك سلما" هي نسخة في نشيد إسلامي تم نقلها من نشيد ناصري. لا يهم أصلاً قتل المدنيين أو اغتصاب الفتيات طالما الفاعل يحارب عدونا الشيطان الأكبر، الأنظمة الحاكمة أو الغرب الإمبريالي أو الغرب الكافر حسب نسخة المتحدث.
تاريخيا مثلت صدمات الحروب والمذابح الأهلية في أوروبا، دافعاً كبيراً للمراجعة والتقدّم نحو الحداثة، ولاحقاً تسببّت الحربان العالميتان في مراجعات جادّة للأفكار العنصرية والفاشية. يفترض أن تكون الأحداث الضخمة في السنوات الأخيرة فرصة لتطور العقلية العربية، لكن قطاعا واسعاً ما زال يحاول المقاومة بنفي وجود الكابوس أصلا.
لكن في المقابل ما يحدث اليوم في العراق يمنحنا أملاً مختلفاً، فالمتظاهرون الشباب، خصوصا في المحافظات الشيعية التي خرج منها يوماً الحشد الشعبي، هم من يحملون اليوم مشعل رفض كل هذه الطبقات المتراكمة من الإنكار وخداع النفس، ولولاهم لاستقر في يقيننا أن خليفةً آخر سيظهر قريباً.