لماذا قتلت جبهة النصرة أخي مصعب؟

22 يوليو 2017
الصورة
آهٍ، يا مصعب، يا أخي المغدور.
مات مصعب عزّو، الناشط الإعلامي السوري في مدينة سراقب، بفعل رصاصٍ انهال على مظاهرةٍ وقفت بصدور عارية حرفياً لتهتف: "سراقب حرّة حرّة.. الهيئة تطلع برّة".
والهيئة هي هيئة تحرير الشام، الاسم الذي تتخفّى تحته جبهة النصرة (أو تنظيم القاعدة)، والتي كانت تحاول الاستيلاء على المدينة في إطار قتالها العنيف حالياً ضد حركة أحرار الشام. هذه الحرب بين الإخوة الأعداء التي بدأت شرارتها بارتكاب مواطنٍ في بلدة جزارين جريمة خطيرة: رفع علم الثورة السورية!
قبل مقتله مباشرة، ظهر مصعب في فيديو يقول فيه بحماس: "في مدينة سراقب، الحُكم رح يبقى مدني، وما رح نقبل العسكر يحكمونا، إحنا طلعنا ضد الطاغي، وما نقبل أي طاغي". كلمات كان ثمنها الحياة، والحياة كان ثمنها رصاصة خرجت في لحظة واحدة. ما أغلى كلماتك عندنا، وما أرخص حياتك عندهم، يا مصعب.
على صفحته في "فيسبوك"، نشاهد مقاطع لحملة "سراقب مدينتي"، تظهر شباباً سعداء يجمعون القمامة، يزرعون أشجاراً، يُصلحون الأرصفة، يلاعبون أطفالاً.
قصة مصعب ومدينته الحبيبة نموذج متكرّر. بدأ كل شيء بالمظاهرة الأولى، جمعة 25 مارس 2011، واحتاج الأمر أشهراً من السلمية التامة التي سقط خلالها مئات الشهداء والمصابين والأسرى، واقتحم الجيش المدينة. وأخيراً، ظهر السلاح تلقائياً في البداية، ثم تأسست جبهة ثوار سراقب في مطلع 2012.
ومنذ اللحظة الأولى، قدمت سراقب نموذجاً مختلفاً بانتخابها لجنة تنسيقٍ، يتم تغييرها كل شهر ونصف الشهر. وبعدها تحولت إلى مجلس محلي، يتم انتخابه باقتراع ديموقراطي عام. لكن من يحمي الحلم من جنود السواد؟
سرعان ما ظهر المسلحون المنتمون لأحرار الشام الإسلامية، ثم جبهة النصرة، ثم استولت "داعش" على مكان "النصرة" منذ أبريل/ نيسان 2013، واحتاجت المدينة إلى التحرير مرة أخرى، وتم ذلك في ديسمبر/ كانون الأول 2014، وخسر "داعش" أميره أبو البراء البلجيكي ثمناً لمن أعدمهم من أبناء المدينة.
مشهد القتل لأجل علم الثورة متكرّر. نشاهد على موقع "يوتيوب" عشرات الوقائع، تمزيق علم الثورة أو إلقائه أو دهسه بالأقدام، أو إطلاق النار على من يحمله، والمرتكبون قد يرتدون ملابس الجيش العربي أو الكتائب الإسلامية.
لماذا كل هذا الكُره؟ لأنهم يعادون أي محاولة لتشكيل بديلٍ لهم. يكرهون الثورة، لأن مشروعها عكس مشروعهم. يريد مقاتلو "النصرة" إقامة الإمارة الإسلامية في إدلب، لينافسوا "داعش" على الظلم، ثم على الفشل، ثم على المُكابرة. .. في شهادةٍ مُطولة، نشرت العام الماضي، لحذيفة نجل الشيخ عبدالله عزّام، يحكي عن سحق "النُصرة" ثلاثة عشر فصيلاً ثورياً، أغلبها في إدلب.
والأتباع العميان وقودٌ لا ينتهي، مازالوا يتبعون أمثال أبو قتادة الفلسطيني الذي امتدح قتل سفاحٍ أباه وأمه، في أثناء "الجهاد الجزائري"، واعتبر ذلك فعل الصحابة الأطهار. واليوم مازال يحرّض ويُكفّر، ومازال العميان بالجهل يهللون لمن دمّروا كل بلدٍ حلت عليه لعنتهم.
ومثل بشّار أيضاً، اعتقلوا وعذبوا واغتالوا، وبعضها كانت ممارسات سلطةٍ بحتةٍ، مثل قصة الشاب المسكين، صفوان بوابة، الذي قُبض عليه بجنايةٍ، وليس معارضة لقداستهم، ثم قالت الجبهة، في بيانها الرسمي، ببساطة إن "أفراداً في المخفر قاموا بالتحقيق معه، والمبالغة في ضربه، ما كان أحد الأسباب بوفاته".
كان "أحرار الشام"، في مرحلة سابقة، على الطريق نفسه، منعوا علم الثورة، رفضوا القضاء المدني، وأسّسوا القضاء الشرعي. كان يجب أن يجرّبوا بأنفسهم نار الجنون، ليظهر قائدهم مع علم الثورة، ويعلنوا قبولهم بالقانون العربي الموحد.
القصة مكرّرة من الجزائر إلى السودان، ومن اليمن إلى العراق، حين تصبح كل الخيارات الواقعية سوداء، تختار بين السيئ والأسوأ، بين الموت برصاص عسكري وسيفٍ إسلامي، وبين ظلم الغريب وظلم القريب. ولهذا أشعر أن مصعب أخي، وأخ كل من هو مثلنا، ليس بيدنا إلا أن نُمسك بالحلم الذي مسّنا، حتى لو كنّا "عرايا نحن، لا أفقٌ يغطينا، ولا قبرٌ يوارينا".
آهٍ، يا مصعب، كم مرّة سنُحرّر المدينة من محتليها، ثم من محرّريها؟ وكم مرة ستُخطئنا الرصاصة، حتى تصيبنا؟

دلالات

تعليق: