لماذا سقطت حكومة الرئيس في تونس؟

22 يوليو 2020
الصورة

الرئيس التونسي والفخفاخ والحكومة أمام قصر قرطاج (27/2/2020/الأناضول)

أصبح مصطلح "حكومة الرئيس" منتشرا في السياق التداولي التونسي، بعد فشل حركة النهضة، الحزب الأوّل في البرلمان (54 مقعدا)، في تشكيل حكومةٍ تحظى بثقة أغلبية أعضاء مجلس نوّاب الشعب إثر انتخابات أكتوبر/ تشرين الأول 2019 التشريعية. وبمقتضى ذلك، آل القرار دستوريا إلى رئيس الجمهورية التونسية، قيس سعيّد، ليختار "الشخصية الأقدر"، من وجهة نظره، لتتولّى تكوين الحكومة، وذلك بعد التشاور مع الأحزاب السياسية والمنظّمات المدنية الفاعلة. ووقع اختيار الرئيس على إلياس الفخفاخ، وهو شخصية اقتصادية شابّة، تنتمي إلى حزب التكتّل من أجل العمل والحرّيات، غير الممثّل في البرلمان، ليضطلع بهذه المهمّة القيادية، الحيوية، الدقيقة. وعلّق تونسيون آمالا عريضة على الحكومة الوليدة التي رأت النور موفّى شهر فبراير/ شباط الماضي، لأنّها تحظى بتأييد رئيس الجمهورية الذي يتمتّع برصيد شعبي معتبر، وتضمّ شخصياتٍ تمثل عائلات سياسية مختلفة في البرلمان، ومستقلّين من ذوي الاختصاص في مجال توزيرهم. ووعد الفخفاخ ببناء "دولة قوية وعادلة"، ورفعت حكومته شعار "الوضوح وإعادة الثقة" بين الحاكم والمحكوم. ولكنّ حكومة الرئيس الأولى بعد الثورة لم تعمّر طويلا. وما لبث قائد السفينة الحكومية، إلياس الفخفاخ، أن دفع باستقالته إلى رئيس الجمهورية بعد أقلّ من خمسة أشهر من تكليفه. وذلك في اليوم الذي قدّمت فيه أربع كتل نيابية وازنة (النهضة، قلب تونس، ائتلاف الكرامة، كتلة المستقبل) عريضة إلى البرلمان لسحب الثقة منه. 

فشل حكومة الرئيس الأولى لا يعني بالضرورة فشل حكومة الرئيس الثانية الجاري التشاور بشأنها

لماذا سقطت حكومة الرئيس؟ المرجّح أنّ رئيس الجمهورية قدّر أنّ الفخفاخ ما زال في مقتبل العمر، وخبر دواليب الدولة من خلال مشاركته في إدارة وزارة المالية بعد الثورة، وهو على دراية بمجال المال والأعمال، ومختصّ في مجال الاقتصاد، وينتمي إلى حزب ليبرالي، مناصر للثورة. لذلك اختاره الرئيس، عسى أن ينجح في فكّ مغالق الأزمة الاقتصادية، ويحقّق تطلعات شباب الثورة وعموم التونسيين إلى مزيد من العدالة والكرامة والازدهار. وكذا لتحقيق درجةٍ معتبرةٍ من الانسجام في مستوى أداء رأسي السلطة التنفيذية، رئاستي الجمهورية والحكومة. ويمكن القول، واقعيّا، إنّ عدّة أسباب موضوعية وذاتية أنتجت فشل الفخفاخ في أداء المهمّة المنوطة بعهدته، وفي تحقيق الآمال المعلّقة عليه، فمن الناحية الموضوعية، تولّى الرّجل قيادة الشأن الحكومي في وقت عصيب، تعاني فيه البلاد من وضع اقتصادي مأزوم، جلّاه ارتفاع المديونية، وتراجع نسبة النموّ، وركود الإنتاج. وزاد ظهور فيروس كورونا في تونس، مع بداية مباشرة الحكومة مهامّها، من تأزيم الوضع الاقتصادي والاجتماعي، فوجد آلاف المواطنين أنفسهم معطّلين عن العمل بسبب تداعيات الفيروس على الدورة التشغيلية، خصوصا في قطاع السياحة، وكذا بسبب التدابير الوقائية الطارئة التي اتخذتها الحكومة، وجعلت كثيرين في بطالة قسرية، ولا سيما في قطاعات النقل والتجارة والأعمال الحرّة. ونتيجة ذلك، ارتفعت نسبة البطالة من 15% إلى 17%، وارتفعت الأسعار بشكل غير مسبوق، واتسعت دوائر الفقر، لتشمل ما لا يقلّ عن 20% من التونسيين. ومع أهمّية الجهود التي بذلتها حكومة الفخفاخ للإحاطة بالعائلات المعوزة، ولتعويض المعطّلين عن العمل في أثناء الجائحة، فإنّ تلك الجهود لم تكن كافية لامتصاص غضب النّاس وسدّ حاجياتهم. وبمجرّد انتهاء فترة الحجْر الصحّي، اندلعت الاحتجاجات في مناطق الظل، خصوصا في تطاوين وقفصة والقصرين، للمطالبة بالتنمية الشاملة والتشغيل، ولإلزام الدولة بالوفاء بوعودها في هذا الخصوص. كما أنّ تلويح الفخفاخ بإمكان اعتماد سياسات تقشّفية حادّة لمواجهة تبعات كورونا، ومبادرته باقتطاع يوم عمل من مرتّبات الموظّفين، وتلميحه إلى احتمال تخفيض المرتّبات، وتسريح مزيد من العمّال، وتجميد الزيادة في الأجور المتّفق عليها مع الاتحاد العام التونسي للشغل، ساهم ذلك كله في تراجع شعبية حكومة الرئيس، وفي تآكل الحزام الاجتماعي الداعم لها. 

 أزمة حكومة الفخفاخ أظهرت القوّة الرقابية لمجلس النواب والهيئات المدنية الدستورية

 

في مستوى قراءة البنية الذاتية للحكومة المستقيلة، يتبيّن الدارس أنّ رئيسها شخصية تقنية بالأساس، نادرا ما تمارس النقد الذاتي، ولا تتوفّر على مهارات اتّصالية عالية، وتجربتها السياسية محدودة، ولا تحظى بعمق شعبي معتبر. وينتمي إلياس الفخفاخ إلى حزب أقلّي، لم يفز بأيّ مقعد في الانتخابات التشريعية أخيرا، وسبق للرجل أن شارك في الانتخابات الرئاسية في 2019 وحصل على 0.3% فقط من أصوات الناخبين. وهو ما يخبر بمحدودية القاعدة الشعبية الداعمة له. ومع أنّه خاض مفاوضات عسيرة لتشكيل حكومة ائتلاف وطني، ضمّت مستقلّين كثيرين وعددا معتبرا من المتحزّبين، وأبدى وزراء كفاءة في إدارة بعض الملفات المطروحة أمامهم (خصوصا وزراء الصحة، وأملاك الدولة، وحقوق الإنسان)، فإنّ الأداء الحكومي بدا مشتّتا، مرتجلا لكثرة التحدّيات التي واجهت الحكومة، وبسبب الخلافات الحادّة التي شقّت التركيبة الحكومية غير المتجانسة، وتجلّت خصوصا في غياب التضامن الحكومي، وانعدام الثقة بين الفاعلين السياسيين، وعدم وجود حزام حزبي متين مساند لسياسات الفخفاخ، حتّى أنّ بعض أحزاب الائتلاف الحاكم لم تساند مشاريع قوانين واتفاقيات اقتصادية مهمة عرضتها الحكومة، وانصرفت إلى تصفية حسابات أيديولوجية قديمة بينها، ما أثّر على أداء الحكومة. 

كان الفخفاخ يبرّر تناقص شعبيته وعدم صعوده بالشرعية الانتخابية بالقول إنه يستمدّ شرعيته من الرّئيس

وكان إلياس الفخفاخ يبرّر تناقص شعبيته وعدم صعوده بفعل الشرعية الانتخابية بالقول إنه يستمدّ شرعيته من الرّئيس، فجعل نفسه بذلك تابعا لقصر قرطاج، وألقى على الرئيس عبئا هو في غنى عنه. ويبدو أنّ الحدث الذي عصف بحكومة الفخفاخ تمثّل في كشف النائب ياسين العيّاري (حركة أمل وعمل)، عن شُبهة تضارب مصالح وإثراء غير مشروع، اكتنفت جمع الفخفاخ بين العملين، التجاري والحكومي، واستغلاله نفوذه لتحقيق مصلحة خاصّة. وأفاد رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، شوقي الطيب، بأنّ "إلياس الفخفاخ لم يُحل التصرّف في أسهمه في بعض الشركات لشخص آخر في الآجال القانونية، وحافظ على صفة وكيل لشركتين، وعضو مجلس إدارة في شركة من أصل خمس، وبعض تلك الشركات أبرمت عقودا تجارية مع الدولة في أثناء مباشرته مهامّه الحكومية"، وهو ما يتعارض مع منطوق الفصلين 18و20 من قانون التصريح بالمكاسب. وراسلت هيئة مكافحة الفساد رئيس مجلس النوّاب والقطب القضائي الاقتصادي والمالي في هذا الشأن، وجاء التقرير الأوّلي الصادر عن الهيئة العامّة للرقابة مفيدا بوجود إخلالاتٍ في إبرام الدولة بعض الصفقات مع شركاتٍ محسوبة على الفخفاخ الذي نفى الاتهامات الموجّهة إليه، واعتبر الفصل فيها من شأن القضاء. وتكمن خطورة المستجدّات المذكورة في أنّها أضرّت بمصداقية الحكومة ورئيسها وحربها المعلنة على الفساد، وحدّت من ثقة النّاس فيها، وأظهرت الفخفاخ في موقع المجافي مبدأ الوضوح والعدالة، والنزاهة والشفافية. ويبدو، بحسب تسريبات متواترة، أنّ الرئيس قيس سعيّد نصحه بالاستقالة مرارا، لكنّه لم يفعل إلّا بعد انعقاد مجلس شورى حركة النهضة. وبعد تقديمها ومتحالفين معها لائحة لوم (وقّع عليها 105 نواب)، تمهيدا لمساءلته وسحب الثقة منه في البرلمان. والواقع أنّ أزمة حكومة الفخفاخ أظهرت القوّة الرقابية لمجلس النواب والهيئات المدنية الدستورية، وأبرزت أنّ السلطة التنفيذية (رئاسة الحكومة) ليست مطلقة التصرّف في الدولة الديمقراطية التونسية الناشئة. كما بيّنت قدرة حركة النهضة على التأثير في المشهد السياسي على كيفٍ ما.

ختاما، يمكن القول إنّ فشل حكومة الرئيس الأولى لا يعني بالضرورة فشل حكومة الرئيس الثانية الجاري التشاور بشأنها. والثابت أنّ الرئيس سعيّد يتمتع بثقافة قانونية واسعة، ولديه دراية معمّقة بمكوّنات المشهد السياسي. وسبق أن رفع شعار "الشعب يريد" في حملته الانتخابية. ومعلومٌ أنّ معظم أنصار الأحزاب الوازنة الممثلة في البرلمان منحوه ثقتهم في الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية. وأحرى بالرئيس، في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ تونس، أن يأخذ في الاعتبار، في أثناء اختياره الشخصية الأقدر، نتائج الانتخابات التشريعية، وأن يصطفي شخصية كاريزمية، نزيهة، تربطها وشائج تواصل بالقوى الحزبية والمنظمات الوطنية الفاعلة في البلاد، ولها رؤية برامجية واقعية واضحة، لإدارة أزمات تونس، وتحقيق تطلّعات المواطنين إلى غدٍ أفضل، شخصية لها القدرة على كسب أغلب الأصوات في البرلمان، وتجميع التونسيين لا تفريقهم. ومن شأن النجاح في اختيار الشخصية الوطنية المناسبة لرئاسة الحكومة المرتقبة أن يزيد في شعبية الرئيس ولا ينتقص منها، وهو سبيلٌ إلى استئناف مؤسّسات الدولة نشاطها الحيوي، وتحقيق قدَرٍ معتبرٍ من الاستقرار والازدهار.