لماذا تهنئ إسرائيل عادل إمام؟

21 مايو 2019
الصورة
لقائلٍ أن يقول إن ثمّة خبثا ظاهرا في تهئنتي رئاسة الحكومة ووزارة الخارجية الإسرائيليتين عادل إمام (79 عاما) بعيد ميلاده أخيرا، فليس الفنان الشهير معاديا للشعب الفلسطيني، ولا نصيرا لدولة الاحتلال، لا قدّر الله، حتى تعبّر الأخيرة عن غبطتها به، وتدعو له بالصحة، بل ويخاطبه المتحدّث باسم نتنياهو في التهنئة اللئيمة، بتباسطٍ مستهجن: ".. سنة حلوة يا جميل". وجاءت في محلّها غضبة عربٍ كثيرين، صدّوا التهنئتين اللتين أُطلقتا في "تويتر" و"فيسبوك"، وفي موقعٍ بالعربية يتبع وزارة الخارجية الإسرائيلية، بأن نجم الكوميديا ليس في حاجةٍ إليهما، وأن على إسرائيل أن تتذكّر أعمالا أدّاها في السينما والتلفزيون، ناوأت إسرائيل بما تستحقّه من نبذٍ، ومنها مسلسله "دموع في عيون وقحة" (1980)، عن ضابط مخابراتٍ مصري تم زرعُه في إسرائيل. وللقائل أن يقول أيضا إن هذه الخباثة الإسرائيلية مسبوقةٌ بمثيلاتٍ لها، فيكاد الناطق باسم جيش الاحتلال، أدرعي، يكون منقطعا لمخاطبة العرب، بالتهاني والتعازي والعظات، وقد فعلها، وهنأ هيفاء وهبي وغيرها، في غير مناسبة. ولنجم الكرة، محمد صلاح، حصّة أيضا في مثل هذه التهاني، من أدرعي والخارجية الإسرائيلية. أما الأوقح من هذا كله، لمّا نظم رئيس "بلدية القدس"، نير بركات، احتفالا استقدم إليه مغنيةً من فلسطينيي 48، وفرقةً موسيقية، ومندوبي تلفزاتٍ وصحف، في إشهار إطلاق اسم أم كلثوم على شارع أشبه بزقاق، في زفّةٍ غير خافية الأغراض، تفتعل صورةً لكوكب الشرق تخدش مكانتها عند ملايين العرب. 
لا تغيّب البديهيّة أعلاه سؤال واحدِنا عما يجعل دولة الاحتلال تدخل على مشهد التقدير البالغ للفنان الكبير الذي ساهم به عربٌ كثيرون، بمناسبة عيد ميلاده، بعد أنباءٍ (وإشاعات؟) لم تتأكّد عن مرضه، وبعد ذيوع أخبارٍ عن خلافاتٍ طرأت بينه وبين منتج مسلسلٍ جديد له، تسبّبت بعدم عرضه في موسم رمضان الجاري، ثم غضبتِه، في أثناء اتصال برنامج تلفزيوني معه، من "فاشيّةٍ" (مفردتُه) يعبّر عنها تشكيلُ لجنةٍ رسميةٍ مهمتها "ضبط" الدراما المصرية. في هذه الغضون، جاءت مناسبة عيد ميلاد الفنان، قبل أيام، مختلفةً عن سابقاتٍ لها، إذ بدا من أرطال المحبّة الوفيرة التي رُمي بها كأن مكروها ما يلمّ به، متّعه الله بموفور الصحة، سيما وأن صديقه المليونير، نجيب سويرس، دعا إلى إطلاق اسم عادل إمام على أحد المشروعات القومية في مصر. لم تُحدث التهنئة الإسرائيلية المزدوجة أثرا على هذا كله، وهذا طبيعي. ولكن، ما الذي يروقُ في الرجل لدولة الاحتلال، حتى تخصّه بتمنّي طول العمر له، وبقائه "الزعيم"؟
هو اجتهادٌ هنا يحتمل الخطأ، موجزُه أن المخّ الإسرائيلي يعجبوه من هم من طينة عادل إمام السياسية، سيما بخصوص المقاومة الفلسطينية، وكذا فيما يتعلق بالتلوّن كيفما اتفق مع السلطات السياسية. هذا جيد وطيب لإسرائيل، إذا ما عبّر عنه شخصٌ له منزلةٌ كبيرة في المجتمعات العربية. أما شتيمة إسرائيل، والسخرية منها، وسرقة بنك فيها (في مسلسل عادل إمام الهزلي) والقرف من السكنى في عمارةٍ فيها سفارتُها في القاهرة (كما في فيلم له)، فكلها من عادي الأمور وطبائعها، وإن كانت مرذولةً. الأهم منها ما يجهر به عادل إمام عن صواريخ "ركيكة" تطلقها حركة حماس على مواقع إسرائيلية، فيما إسرائيل منظمّةٌ وقويةٌ جيدا. يسأل الفنان المضحك: كيف لي أن أحارب شخصا، وأنا أعرف قوته، وأضربه بالصواريخ؟ هنا بالضبط موضع الإعجاب الإسرائيلي بصاحبنا الذي يعرّف نفسَه مصريا قوميا عربيا، يحب مصريته ويحب عروبته، كما أفاد مرّة.
لك أن تتعاطف مع ضحايا فلسطينيين ولبنانيين، ولكن الأهم إسرائيليا أن تبخّس من جدوى المقاومة، ألا تراها ضرورةً. ويكون أحسن وأحسن إن هاجمتَ عبد الناصر، وكنت ساداتيا، ثم ترى حسني مبارك رجل السياسة الأفضل عربيا، ثم تطالب باحترام نتائج صناديق الاقتراع عندما يصبح محمد مرسي رئيسا، ولا تخشى على الفن من جماعة الإخوان المسلمين في أثناء رئاسته، ثم تعتبر عبد الفتاح السيسي رجل المرحلة، "لمّا دخل التاريخ وكسب قلوب المصريين".. هذا بعضٌ من عادل إمام.
تعليق: