لماذا تنبذ مجتمعاتنا الحوار والتسامح؟

لماذا تنبذ مجتمعاتنا الحوار والتسامح؟

28 يونيو 2015
الصورة
+ الخط -
كثيرا ما يتساءل المرء: لماذا تقدموا ونحن نعيش في التخلف منذ قرون؟ لماذا سبقونا، ولماذا كل ما نفعله أننا نأخذ منهم، أو نستورد منهم، أو نقلدهم، ولا ننتج أي إنتاج فكري أو علمي أو صناعي، هل فعلاً تخلفنا بسبب المؤامرات الغربية؟ أو، لكي أكون دقيقاً، هل المؤامرات (فقط) سبب تخلفنا؟ مؤامرات مزعومة ضد الإسلام وضد محمد مرسي أو ضد العروبة أو الشرق الأوسط، أو ضد عبد الفتاح السيسي الذي أنقذ المنطقة كما يزعمون؟ 
- لا شك أن هناك مقاييس لقياس تقدم الشعوب وتحضرها وتمدنها، وأهمها القيم المدنية، مثل التعايش والتسامح وإمكانية الحوار وكيفية حل النزاعات أو الخلافات بشكل سلمي، وكذلك مقياس الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان التي تدل، فعلاً على تقدم وحضارة شعب ما.
- ونحن في المنطقة العربية عموماً، وفي مصر خصوصاً، نعاني مشكلة كبيرة في ثقافة الحوار، ففي مصر، لا نستطيع أن نتحاور مع بعض ولا نسمع لبعض. لم نتعلم كيف نسمع وكيف نفكر فيما نسمعه، فالجماهير العربية تعشق الخطب الرنانة والخطاب العاطفي وليس العقلاني، كما في كرة القدم، تجد الجماهير تشجع الترقيص، بغض النظر عن الأهداف.
- ولا فارق في ذلك بين حاكم ومحكوم، مؤيد أو معارض، مواطن يهتم بالسياسة أو "ماشي جنب الحيط". الكل يصر على فرض وجهة نظره، وليس الحوار أو الوصول إلى حل وسط، فـ"الزعيق" والتخوين والتكفير عندنا هو الثقافة السائدة، ولا فارق في ذلك بين إسلامي أو ناصري أو اشتراكي أو مدعي الليبرالية. فللحوار عدة شروط وخواص، لا نعلم عنها شيئا، منها تغليب العقل على الغريزة، وأهمها أن يكون الحوار حراً من دون قيود مسبقة وخطوط حمراء، منها أن يكون الحوار متكافئاً، وألا يكون أحد الطرفين يسعى إلى فرض وجهة نظره بالقوة، أو فرض السيطرة، ومنها أن يدرك الطرفان أن الحوار ليس هدفاً في حد ذاته، وليس (مكلمة)، وإنما هو من أجل الوصول إلى حل وسط، ومن أجل فهم الآخر، والاستماع لوجهة النظر المخالفة وتقديرها.
- التعصب للرأي وعدم تقبل وجود آخر مختلف، أو رأي مختلف، آفة منتشرة في مصر وفي العالم العربي، فالتعصب مرض ذهني يصيب المجتمعات. وللأسف الشديد، تجد المتعصب عندنا، وصاحب الخطاب الحنجوري العاطفي الزاعق هو من يفوز بإعجاب الجماهير، وليس صاحب الخطاب العقلاني. ولذلك، تجد التعصب يقود نحو تعسف مضاد، ويقود نحو مزايدة في التعصب، والتعصب يقود نحو التخوين والتكفير ومحاولة إلغاء الآخر، والتعصب في مجتمعنا هو ما يقود نحو العنف، فالتعصب والانقياد له عكس التفكير وعكس إعمال العقل، وأعمال عنيفة كثيرة، وظلم كثير، وانتهاكات كثيرة كانت مترتبة على خطاب متعصب من سلطة أو جماعة.

ومن القيم المدنية التي نتجاهلها كثيراً، وننبذها أحياناً في مصر وعالمنا العربي هي التسامح، على الرغم من أن مجتمعاتنا تزعم التدين والتمسك بالدين. ولكن، في الواقع ستجد سلوك الأفراد أو الحكومات أو الجماعات أبعد ما يكون عن قيم التسامح التي تعتبر قيمة دينية، قبل أن تكون مدنية أو هكذا يفترض بعضهم.
- وليس معنى التسامح الحقيقي التخلي عن المعتقدات والأفكار، كما يروج أو يعتقد بعضهم في مجتمعاتنا، بل التسامح أن تدافع عن أفكارك، مع تقبل أن أفكاراً أخرى قد تكون مضادة وليس فقط مختلفة، وأن للآخر حق نشر أفكاره مثلك، وأنه يجب أن تتقبل ذلك، وأن تتسامح مع الآخر.
- وللأسف الشديد، تعتبر مجتمعاتنا التسامح ضعفاً، والتعصب قوة، على الرغم من أن العكس هو الصحيح، فالتسامح وتقبل الآخر هو ما يقود إلى التقدم والمدنية، أما التعصب فيؤدي إلى إهدار الطاقات والوقت، وربما يؤدي إلى إهدار الأرواح، إن اقترن بالعنف.
وتعتبر القدرة على إدارة الخلاف/الصراع سلمياً من مؤشرات أو مقاييس التقدم والتحضر والمدنية، فالاختلاف دائما موجود، ولا بد أن يكون موجوداً، وكذلك الخلاف وكذلك الصراع، لكن الفارق بين التحضر والتخلف هو كيفية إدارة الخلاف/الصراع سلمياً، وهو ما لا نعرفه في مجتمعاتنا التي لا تتقن إلا الصراع والتعصب ومحاولة إقصاء الآخر وفرض الرأي والصراعات الصفرية.
نحن نفتقد ثقافة احترام الآخر، أياً كان خلافنا معه، في حين أنك تجد، مثلاً، أن أوروبا استطاعت تعلم ذلك، ولكن، بعد قرون من الحروب الأهلية والدم والكراهية، فهل يجب أن نمر بتلك المراحل التي مرت بها أوروبا من تلك التجارب المريرة؟ هل نستطيع أن ندرك أهمية فكرة التعايش؟ فالتعايش ليس معناه إلغاء الآخر، بل معناه التعايش مع الآخر باختلافه وتقبل الآخر كما هو، وليس فرض ثقافتك ورأيك عليه.
للأسف الشديد لم نتعلم من تجارب الآخرين، ولا نريد أن نتعلم، فلا فارق بين فاشية دينية، تريد أن تحكم وتفرض نمطاً معينا باسم الدين، وفاشية عسكرية تريد أن تفرض رأيا واحدا باسم الوطنية، لا فارق بين تكفير الإسلاميين من يخالفهم وتخوين العسكر والدولجية من يخالفهم في الرأي أو وجهة النظر، لا فارق بين تعصب الفريقين المتصارعين على السلطة في مصر. ولكن، هل يدرك من يتولى السلطة، الآن، ويدّعي أنه المنقذ، هل يدرك عواقب تحول المجتمع نحو التعصب والعنف؟