لماذا أحب الأدب؟

22 نوفمبر 2019
الصورة
تانيا الخوري/ سورية
+ الخط -

في كتابه "الأدب في خطر"، سأل تودوروف نفسه هذا السؤال: لماذا أُحبُّ الأدب؟ وكان جوابه هو: لأنه يُعينني على أن أحيا. وكان من المعتاد في الأسئلة الشائعة (ومنها ما يُوضع عنواناً لبعض الكتب) أن يكون السؤال: لماذا نقرأ الأدب؟ ويمكن أن يكون لدى كثير من الناس جواب مماثل، دون أن يكونوا قادرين على ترجمة الرغبة أو الحب إلى هذه الكلمات الجريئة التي وضعها الناقد البلغاري الفرنسي الراحل في كتابه، وخاصة حين يُلحق كلامه السابق بالتوضيح أنّ القارئ لا يقرأ الأعمال الأدبية ليتقن بشكل أفضل مناهج القراءة، ولا ليستمد منها معلومات عن المجتمع الذي أُبدعت فيه، بل ليكتشف فهماً أفضل للإنسان والعالم.

هل نقرأ "موبي ديك" للتعرُّف إلى طبيعة المجتمع الأميركي، أم نقرأ هذه الرواية للتأمُّل في الصراع بين القوى التي تحكم الكون، صراع الخير والشر، الحياة والموت؟ وهل نقرأ "مدن الملح" لأنها تؤرّخ لاكتشاف النفط في الجزيرة العربية، كما تعرّف في بعض كتب النقد العربي، أم نقرأ هذه الرواية لمعرفة مصائر البشر في صراعهم من أجل الحياة؟

ولهذا فإن التعريف بالرواية على أنها تاريخ المجتمع في هذه المرحلة أو تلك، ليس صحيحاً، والروائي ليس مؤرّخاً للمجتمع، بل للنفس البشرية، أو للوجدان والروح، أو العواطف والمشاعر والعلاقات بين الناس في هذا المجتمع أو ذاك. هل يهمّك أن تعرف كيف عالج الروائي موضوع السلطة، أو القمع، أو المجتمع الأبوي، أو المثلية، أي هل تريد أن تقرأ الرواية كي تعرف أم كي تستمتع؟

وإذا كنت تريد أن تعرف شيئاً عن ثورة 1919 في مصر، فهل تقرأ ثلاثية نجيب محفوظ، أم كتاب عبد الرحمن الرافعي "ثورة 1919"؟ ومن المرجح أن تجربة الملك لير مثلاً تحضّنا على تأمل السلوك الإنساني، والبحث عن حقيقة البشر المتخفية وراء التملّق والنفاق والكذب في المشاعر، أكثر مما تقدّم لنا خلاصة تجربة توزيع الإرث غير العادلة، بل إنها لا تقدّم لنا أي درس هنا.

وفي الغالب فإننا نقرأ أي أدب لأنه يعجبنا، ولأنه يوفر لنا المتعة والمعرفة، لا لأنه ينتمي إلى الواقعية أو السريالية أو غيرهما من المدارس، أي أننا لا نقرأ الرواية مثلاً استجابة لتعليمات هذه المدرسة أو تلك، أو تتبُّعاً لما يمكن أن يكون قد اشتغل الروائي فيها، فهذا الأمر من اختصاص الناقد لا القارئ، وقلّما يهمّنا في البناية - كما يوضّح تودوروف - المواد أو العناصر التي بُنيت منها، إذ تصبح البناية نفسها هي موضوعنا.

لهذا كلّه يعيننا الأدب على أن نحيا.

وقد تساعدنا كلمات جون ستيوارت مل، وهو ليس ناقداً أدبياً بالطبع، في تلمُّس معانٍ أكثر قوّة في هذا الشأن؛ إذ قال إن كتاباً شعرياً لـ ووردزورث قد أنقذه من الاكتئاب، فقد "بدا لي (أي الشعر) منبعاً منه أستقي الفرح الباطني، ومتع التعاطف والخيال، دون أن يصدّني عن تأمُّل العواطف العادية، ومصير الإنسانية، بل ضاعف اهتمامي بها".

المساهمون