لقاء الصدفة

23 يوليو 2020
الصورة
الكهرباء من مشكلات لبنان الدائمة (حسين بيضون)

يسألني جاري العجوز، كلما التقيت به صدفة في المصعد، عن موعد "الانهيار الكبير" في لبنان، فأكتفي بالابتسام طالما أنني لا أملك إجابة واضحة لهذا السؤال الذي يؤرق معظم اللبنانيين. لكن سؤال جاري العجوز يأخذني في التفكير بعيداً حول معنى هذا المصطلح. فإذا كان كل ما نعيشه يومياً من انهيارات في المنظومة الاجتماعية والخدمات، من تقنين التيار الكهربائي وانقطاع الخطوط الهاتفية الخلوية وخدمة الإنترنت وشحّ المازوت وانهيار العملة الوطنية أمام الدولار الأميركي والارتفاع المهول في أسعار السلع، فما تراه يكون الانهيار الكبير حينها؟
جاري العجوز، ومن هم في سنّه، من جيل عاش الرخاء والبحبوحة الاقتصادية التي سبقت اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية (1975- 1990) وما تقاطع فيها من صراعات محلية وعربية ودولية، ما زالت آثارها ونتائجها مستمرة إلى اليوم. يخبرني دائماً في لقاء الصدفة بيننا، عن لبنانيين لم يهتموا يوماً بالعمل في إدارات الدولة مهما كانت الطبقة الاجتماعية التي انتموا إليها متواضعة. يخبرني عن لبنانيين فضلوا دائماً العمل الخاص والحرّ على وظيفة رسمية بمخصصات مختلفة. يخبرني عن لبنانيين كانوا يحصلون على تأشيرات إلى كل بلدان الدنيا من دون تحقيقات مكثفة وريبة وشك بخلفياتهم أو بدوافعهم لزيارة تلك البلاد.
ويروح جاري العجوز يخبّر ويخبّر بحسرة عن بلد، كأنه في دنيا أخرى وليس البلد نفسه الذي نعيش كلانا فيه. لكنه في كل مرة يختم حديثه المشوّق، بجملة شبه موحدة، تحمل الكثير من التوجّس والشك حول مصير الأيام المقبلة.
ويحدث أحياناً أن ألتقي بجاري الآخر، المراهق، في المصعد أيضاً، والذي تختلف هواجسه عن هواجس جاري العجوز، لكنها تلتقي معها في جانب ما. يسألني جاري المراهق طوال الوقت عن موعد اندلاع الحرب الآتية، قاصداً الحرب الأهلية. فأبتسم ابتسامة صفراء، لكني أؤكد من دون أن تكون لدي أي معطيات أو معلومات حقيقية، أن أي حرب أهلية لن تندلع قريباً. لكن جاري المراهق لا يصدق هذا الكلام. بل يضحك ويعيد التأكيد على أن الحرب الأهلية واقعة لا محالة، وأن كل ما يحدث من انهيارات يومية ما هو إلا إشارات إلى دنوّ ساعتها. يقولها بنبرة الواثق من أن هذا الأمر سيتحقق بشكل قاطع، في ساعة أو في أخرى، وأنه يجب "أن نستعد لها"، من دون أن يكشف عن معنى هذا الاستعداد.

لكن التيار الكهربائي بات ينقطع بشكل دائم في الأيام الأخيرة، ولم أعد ألتقي بجاري العجوز ولا بجاري المراهق في المصعد ليخبراني عن هواجسهما.
وبالعادة لا يطيق الناس الكلام عند صعود السلالم.