لفتة تجاه الأشخاص ذوي الإعاقة في الجزائر

17 سبتمبر 2019
الصورة
خطوة يعتبرها البعض إيجابية (دومينيك فاجيه/ فرانس برس)
+ الخط -

طوال سنوات، صرخت الطالبة في الحقوق والعلوم الإدارية بجامعة الجزائر، سهيلة عبديش، عبر مكبر الصوت، في تحركات عديدة: "لا تطلقوا علينا تسمية معاقين. انظروا إلى جامعاتنا في مختلف ولايات الوطن، فلا تجهيزات للأشخاص ذوي الإعاقة. لا يمكننا صعود السلالم عندما تتعطل المصاعد. ولا يمكننا الوصول إلى المكتبة الجامعية إذا كانت في طابق مرتفع. لا يمكننا تحقيق شغفنا ما دمنا في نظر المحيط منقوصين؟ نثير فيهم الشفقة، ثم يوجهون لنا بالأصابع بمصطلح: مساكين. وعندما طرقنا أبواب المؤسسات الرسمية، قدمت الدولة لنا الفتات!؟".

هذا الواقع قد يتغير بعض الشيء، فقد قررت الحكومة الجزائرية، في بيان أخير، المصادقة على تنفيذ تعديلات تتعلق بـ"حماية الأشخاص ذوي الإعاقة وترقيتهم" مثلما جاء في نص القرار الذي تسلمت "العربي الجديد" نسخة منه، إذ ينص على "زيادة المنحة الشهرية المتعلقة بالأشخاص ذوي الإعاقة بنسبة 150 في المائة لتكون سارية المفعول في الأول من أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، على أن يجري تثمينها سنوياً وبصفة تدريجية لتصل إلى مستوى الأجر الوطني الأدنى المضمون (الحدّ الأدنى للأجور)" فضلاً عن "تكفل الدولة بدفع اشتراكات الضمان الاجتماعي المقدرة بـ5 في المائة من الأجر الوطني الأدنى المضمون".

لفتة استحسنها البعض، إذ اعتبرت الحكومة الجزائرية أنّ القرارات تأتي لـ"ضمان نفس مستويات التكفّل بكلّ فئات المجتمع، مع ضرورة أن تحظى فئة الأشخاص ذوي الإعاقة بالأهمية اللازمة، تحقيقاً لعدالة وإنصاف اجتماعيين" بحسب البيان. وفرضت الحكومة على "المؤسسات والإدارات تشغيل الأشخاص ذوي الإعاقة بنسبة 3 في المائة من مجمل عدد عمالها بعدما كان سابقاً بنسبة 1 في المائة" مشددة على "تحسين طريقة عروض العمل على مستوى وكالات التشغيل المحلية بإدراج هذه الفئة وتخصيص خانات خاصة بها، وترقية عرض العمل الخاص بها بالتعاون مع قطاعات التربية، والتعليم والتكوين المهنيين".




كثيراً ما ندّد الجزائريون بالمنحة التي تقدمها الحكومة الجزائرية للأشخاص ذوي الإعاقة، المقدرة بـ4 آلاف دينار جزائري (33.3 دولاراً أميركياً) شهرياً، لكنّ قرار رفعها إلى 10 آلاف دينار جزائري (83.35 دولاراً) يمثل خطوة نحو إصلاح منظومة تقسيم حقوق هذه الفئة التي تعاني من التهميش. أكثر من 264 ألف شخص سيستفيدون من هذه المنحة، إذا تجاوز سنهم 18 عاماً، وهو ما يمكّن العشرات منهم من تذليل الصعاب التي كانت تواجههم. تقول سعاد بولنور لـ"العربي الجديد": "لا تكفي المنحة الحالية في تسديد بعض المستلزمات الخاصة خصوصاً أنّني لم أتمكن من مواصلة دراستي منذ سن الخامسة عشرة، فالواقع شيء آخر، وما يحس بالجمرة إلا اللي عافس عليها كما يقول المثل الجزائري". توضح أنّها تعاني من مرض السكري المزمن ويكلفها الكثير: "أن تكوني عالة على العائلة والمحيط فهو مؤلم جداً". كانت تحلم بأن تكون أستاذة أو طبيبة، على حدّ قولها، ما جعلها تتمنى لو تمكنت كما زميلاتها في المدرسة الابتدائية ممن بتن يحملن شهادات عليا اليوم.

لا يُنكر البعض أنّ العديد المراكز التكوينية والمؤسسات في المدن الكبرى خصوصاً، فتحت أبوابها لهذه الفئة، لكن "تنقصها الروح" على حد تعبير كريم التوهامي. يقول لـ"العربي الجديد": "المتوفر في عالم التكوين وداخل جدران المؤسسات التكوينية في شتى المهن شيء، بينما النجاح والخروج إلى سوق المهن شيء آخر، إذ كثيراً ما تبتعد الفرص أمام الشخص ذي الإعاقة وتسقط معها الأحلام في الماء".

يعتبر البعض قرار الحكومة الأخير "إيجابياً، وسيدعم حظوظ هذه الفئة في اقتناص فرص العمل، إذ كانت رحلة البحث عن مهنة تؤمن لقمة العيش وتحفظ الكرامة مستحيلة" كما تقول نورية بلعطار لـ"العربي الجديد". تضيف أنّ مثل هذه القرارات كان من المفترض أن يستفيد منها الأشخاص ذوو الإعاقة منذ سنوات طويلة، خصوصاً في المدن الداخلية والقرى التي تفتقر إلى ظروف مناسبة للعيش.




على بعد 600 كيلومتر من العاصمة الجزائرية، يؤكد عشرات من الأشخاص ذوي الإعاقة أنّ مأساتهم مضاعفة، فزيادة الأمراض المصاحبة للإعاقة وصعوبتها مع السنوات، تترافق مع عدم توفر فرص عمل في مناطق تفتقر إلى المصانع مثلاً أو المؤسسات العمومية التي يمكن أن تكون مجهزة لاستقبال الأشخاص ذوي الإعاقة. يقول عبد الله لـ"العربي الجديد" إنّه طرق الأبواب في كلّ مكان، ليجد نفسه في النهاية يبيع علب السجائر والفول السوداني وبطاقات الهاتف الجوال أمام مقر البلدية، مثله مثل كثيرين ممن لجأوا إلى مثل هذه الأعمال لضمان قوت يومهم.