لعبة يوسف الشاهد الأخيرة

14 فبراير 2020
الصورة
+ الخط -
جاء الحوار الذي أدلى به، أخيرا، رئيس الحكومة التونسية المنتهية ولايتها، يوسف الشاهد، لإحدى القنوات التلفزيونية المحلية، بمثابة تصفية حساب مع أطراف مختلفة، في مقدمها الاتحاد العام التونسي للشغل وحركة النهضة، وقوى أخرى يشعر الشاهد أنها سبب خيبته السياسية.
كان صعود الشاهد، السريع وغير المتوقع، بداية من سنة 2016 نتيجة خلافات حادّة عصفت بحزب نداء تونس، الحاكم وقتها، والتي أدت إلى إطاحة الحبيب الصيد، رئيس الحكومة الذي جاء به الرئيس الراحل، الباجي قائد السبسي. وكان صعود الشاهد نتيجة الرغبة الخفية لنجل الرئيس وقتها (حافظ السبسي) للهيمنة على الوزارة، من خلال دعم شخصية اعتقد أنها الحلقة الأضعف، لينتهي به الحال مطاردا من البلاد على يد الشخص الذي جاء به إلى الحكم.
استفاد يوسف الشاهد بمهارة من موقعه في رئاسة الحكومة، لينسج علاقة تحالف مع حركة النهضة، بما سمح له بالاستمرار في السلطة ضد إرادة الرئيس السبسي، مؤسس حزب نداء تونس الذي جاء به أصلا إلى السلطة، وفي الخطوة الموالية انقلب على الحزب الذي ينتمي إليه، ويؤسس حزبه الخاص "تحيا تونس" على أنقاض حزب نداء تونس، وهو حزب لا يخفي، منذ النشأة، رغبته في الاستحواذ على السلطة، وممارسة الحكم منفردا. وقد عبّر عن ذلك منسق الحزب، سليم العزابي، في تصريحه حينها (27 يناير/ كانون الثاني 2019) إن هدفهم هو الوصول إلى السلطة وبغالبية مريحة، تمكّنهم من إدارة الدولة من دون شريك.
تكشف سرعة تشكيل الحزب الجديد عن رغبة يوسف الشاهد وشركائه في خوض الانتخابات 
وانتزاع أكبر ما يمكن الحصول عليه من كعكة السلطة، غير أن الحسابات لم تكن تتطابق مع الواقع السياسي المتغير. وكانت الخيبة الأولى تتمثل في سقوط يوسف الشاهد، منذ الدور الأول للانتخابات الرئاسية، وهو ما أفقد حزبه دعما مهما، كان يعوّل عليه من رجال المال والأعمال، ممن يربطون تحالفاتهم بمدى نفوذ الأحزاب في أروقة الدولة، ولتسفر الانتخابات البرلمانية عن حصول حزب تحيا تونس على 14 مقعدا بنسبة تصويت تقدر ب4،06% فحسب، ما يكشف عن ضعف في الانتشار الجماهيري لحزب الشاهد.
أدرك الشاهد بسرعة أن عليه أن يحاول تدارك وضعه السياسي، خصوصا وأن حزبه قد حل سابعا في ترتيب الأحزاب الفائزة في البرلمان، وهو ما جعل طموحه في الاستمرار في السلطة يقارب الصفر، إلا أنه استطاع بدهاء أن يربط علاقات وثيقة برئيس الجمهورية الجديد الذي لا يملك أدنى خبرة في العمل السياسي، فضلا عن الدراية بأجهزة الدولة، وهو ما جعله يلعب دور الحليف المفيد لرئيسٍ تائه بين أروقة السلطة الرسمية. وفي الوقت نفسه، ربط حلفا مع أحزاب التيار الديمقراطي وحركة الشعب، واستطاع بمهارة أن يفشل حكومة الحبيب الجملي التي دعمتها حركة النهضة. ولم يخف الشاهد مسؤوليته عن إسقاطها، حيث صرّح، في حوار مع قناة حنبعل، إنه من أقنع رئيس حزب قلب تونس، نبيل القروي، بعدم منح الثقة لحكومة الحبيب الجملي في البرلمان.
واضحٌ أن اللعبة الأخيرة ليوسف الشاهد تقوم على أساس التمديد لحكومة تصريف الأعمال إلى أقصى وقت ممكن، حيث استفاد من حالة التجاذب السياسي بين الأحزاب البرلمانية وفشلها في التوافق على تشكيل الحكومة الجديدة، ليستمر في الاستفادة من موقعه الحكومي، عبر سلسلة من التعيينات الواسعة، ليضمن استمرارية نفوذه في أجهزة الدولة الرسمية عبر ولاء تابعيه. ولأن نصيبه في الحكومة المقبلة التي يتولى إلياس الفخفاخ رئاستها سيكون ضعيفا، ومن دون تأثير، 
فإنه يحاول إفشال الحكومة الجديدة، ما يعني استمرار وجوده على رأس السلطة الفعلية، خصوصا وأن الدستور لا يوجب على رئيس الدولة الدعوة مباشرة إلى انتخابات سابقة لأوانها، في صورة سقوط حكومة الفخفاخ أمام البرلمان، ويمنحه صلاحية التمديد لحكومة تصريف الأعمال بضعة أشهر أخرى. ولهذا حاول يوسف الشاهد خلط الأوراق، رغبة منه في مزيد من تسميم المشهد السياسي عبر الانتقاد الحاد للمنظمة النقابية التي لم تتأخر في الرد عليه بحدّة، واتهامه بسوء التصرّف، وارتكاب جرائم بحق الدولة، حيث جاء في البيان للاتحاد العام التونسي للشغل، في 11 فبراير/ شباط الحالي، أن الاتحاد "يندّد بالتصريحات التي صدرت عن رئيس الحكومة المنتهية ووزير صناعته لما تضمّنته من مغالطات وتهجّم مجاني في محاولة يائسة لتأزيم الوضع الاجتماعي وتلغيم المناخ العام للبلاد في وجه الحكومة المرتقبة خدمة لمآرب شخصية وحزبية لم تعد خافية على أحد".
الوضع السياسي الحالي الذي تشهده تونس، وحالة التجاذب بين القوى المختلفة، يفرضان على العقلاء السير نحو تشكيل الحكومة الجديدة بما يضمن الوحدة الوطنية، ويدفع نحو حل المشكلات الاجتماعية والاقتصادية العاجلة، والخروج من حالة الجمود الذي تعانيه الدولة في ظل حالة الارتباك التي تسود أجهزتها الرسمية.