لعبة ليبية خطرة بين الجزائر والقاهرة

27 يوليو 2020
الصورة
+ الخط -

لا يمكن المرور على الرفض الجزائري الصارم لفكرة تسليح القبائل الليبية، الفكرة التي تقودها القاهرة، مرور الكرام، لاعتباراتٍ كثيرة، من أبرزها المعرفة الدقيقة للجزائر بملف القبائل الليبية، بحكم الجوار والتداخل الديموغرافي بين بعض القبائل الليبية والجزائرية، خصوصا في الجنوب. ولعل تلك المعرفة الدقيقة بالملف هي التي دفعت الجزائر إلى اعتبار خيارات القاهرة في هذا الاتجاه "خطيرة جدا"، وأنها مقدّمة لتحويل ليبيا الى صومال جديد. 
وكان لافتا أن الجزائر التي قبل أن ترى اندفاعة عبد الفتاح السيسي في مصر باتجاه تجميع بعض مشايخ القبائل في الشرق الليبي، بغرض الحصول على "التفويض" الذي يعشقه، للتدخل عسكريا في ليبيا، وبعدها منح البرلمان المصري رخصة التدخل العسكري في ليبيا، كان لافتا أنها كانت تراهن على دول الجوار الليبي مجتمعة، مصر والجزائر وتونس، من أجل الحل السياسي، مع قبولها إشراك القبائل في هذا الحل، إلا أنها أدركت أخيرا أن خطةً جهنميةً تتصدّر مشهدها مصر، وتحركها أطراف أخرى، مثل الإمارات، تهدف إلى تجاوز فكرة إشراك القبائل في الحل السياسي إلى عسكرة هذه القبائل وتحويلها إلى مليشيات، ما يعني، بكل وضوح، كما أكد الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، أن الوضع الليبي سيتحوّل بهذا المنهج الخطر، من دائرة "السوْرنة" (الحالة السورية) إلى دائرة "الصوملة" (الحالة الصومالية)، بكل ما يعنيه ذلك من انهيار كامل لمفهوم الدولة ومظاهرها.

تدرك الجزائر أن موضوع القبائل ليس أكثر من غطاء أخرق، لإعطاء التدخل المصري شرعيةً وهمية، في مواجهة شرعية القانون الدولي

 وهنا تحديدا توالت الإشارات الجزائرية أخيرا، والتي تصب في مجملها في الرفض القاطع لفكرة تسليح القبائل الليبية، وبالتالي في وضع مسافةٍ بينها وبين الموقف المصري المتهور، عبر اكتفاء الرئيس تبون، في آخر إطلالاته الإعلامية، بالحديث عن دور جزائري تونسي فقط، لحل الأزمة سياسيا عبر مبادرة تقدّمها الجزائر، لاغيا أي إشارةٍ إلى مصر، كما كان يفعل من قبل. كما ألغت الجزائر، في اللحظات الأخيرة، زيارة كانت مبرمجةً، وتم الإعلان عنها رسميا لرئيس مجلس النواب في طبرق، عقيلة صالح، الجزائر، تبين فيما بعد أن صالح كان يحمل، في جعبته، مقترحا مصريا بتشكيل لجنة مصرية جزائرية لتبنّي المبادرة المصرية لحل الأزمة، ومن بينها الإسهام في عملية تسليح القبائل الليبية، الأمر الذي رفضته الجزائر بشدة، وقال عنها الرئيس تبون إن بلاده لا تؤيد أي قرار منفرد، وترفض وضعها أمام الأمر الواقع.  
وكانت الإشارة الأبرز، بحسب مراقبين، الخميس الماضي (23 يوليو/ تموز)، إثر صدور بيان من وزارة الدفاع الجزائرية، تنفي فيه نفيا قاطعا تصريحات منسوبة لقائد أركان الجيش الجزائري، الفريق سعيد شنغريحة، لفقتها دوائر مصرية، ادّعت فيه أنه قال إنه "إذا دخلت مصر في حرب مع تركيا، سنكون مع مصر، ولن نقف موقف المتفرّج .. إن أمننا القومي واحد"، معتبرةً ذلك مجرّد "أكاذيب" وأنها بالنص "مغالطاتٌ هادفة إلى زرع البلبلة وتوجيه الرأي العام الوطني نحو الاصطفاف خلف أجنداتٍ مشبوهةٍ لا تخدم المسعى المشرف والموقف الثابت الذي دأبت الجزائر دوما على اتخاذه تجاه الوضع في ليبيا الشقيقة". 
وهنا يجدر التنبيه إلى أن الجزائر التي اقتربت بدايةً من الموقف المصري، عقب التدخل التركي، باعتبار موقفها المبدئي الرافض دوما كل أشكال التدخلات الأجنبية في المنطقة، وازداد هذا الاقتراب، إثر ما وصفت بضغوط فرنسية رهيبة مورست عليها، وعلى تونس أيضا، لقبول فكرة إشراك القبائل الليبية في الحل السياسي، إلى الحد الذي صدرت فيه بيانات في الجزائر عن "توافق" الموقفين، الجزائري والفرنسي، من الوضع الليبي. ولكن الجزائر عادت وابتعدت، في اللحظة التي بدأ فيها ترويج فكرة تسليح القبائل الليبية، لإدراكها أن الأمر يتعدّى قضية الصراع حول السلطة في ليبيا إلى المساس بمصالحها وبأمنها الوطني، فليس لهذه الفكرة معنى آخر في مفهوم الأمن القومي الجزائري غير تعويم أكبر مخزون للأسلحة غير الخاضعة للرقابة في العالم الموجود حاليا في ليبيا بعشرات ملايين القطع إلى دول الجوار، وفي مقدمها ناحية الجزائر التي تشترك بحوالي 900 كلم من الحدود المشتركة مع ليبيا .. والذي قد لا يؤدي، في النتيجة، إلى "صوملة" ليبيا وحدها، وإنما صوملة كامل المنطقة، عبر تحويل المفهوم الاجتماعي للقبيلة المسالمة إلى مصدر بشري لتمويل قطاع الطرق والجماعات الإرهابية وتجار الأزمات الذين يتحيّنون الفرصة لتمويل القوى الانفصالية داخل الجزائر، وفي غيرها من دول المنطقة.

 يبدو فكرة تقسيم ليبيا باتت خيار قوى دولية كثيرة، ومنها مصر التي تركّز أنظارها حول الهلال النفطي

ويذكر الجزائريون الهجوم الإرهابي الضخم الذي قام به تنظيم القاعدة في يناير/ كانون الثاني عام 2013، وانطلق من الأراضي الليبية على قاعدة الحياة بعين أميناس لإنتاج الغاز الطبيعي، وأدى وقتها إلى احتجاز 650 شخصا بينهم 132 عاملا من جنسيات أوروبية وأميركية، وانتهت العملية بمقتل 32 من الإرهابيين، ومعهم 23 رهينة أجنبية، بعد تدخل قوات الجيش الجزائري. وكانت تلك العملية الضخمة، التي تناقلتها وسائل الإعلام العالمية، سببا مباشرا في حدوث تغييراتٍ كبيرة في أجهزة المخابرات والجيش الجزائريين. ومنذ ذلك الوقت، تتمركز وحدات من الجيش الجزائري بآلاف الجنود، في مواجهة عمليات تهريب السلاح النشطة في تلك المناطق الشاسعة الممتدة جنوب الجزائر وليبيا إلى أقاصي منطقة الساحل الأفريقي. 
تعلم الجزائر أن القاهرة قرّرت أن تلعب لعبة خطرة جدا، فبعد فشل الرهان على جيش اللواء المتقاعد المتمرد، خليفة حفتر، لإسقاط حكومة الوفاق المعترف بها دوليا، واندحار قواته التي كانت، في جزءٍ كبير منها، بتسليح مصري، تبدو الصورة وكأن بعضهم يريد أن يدخل في منطق شمشون الجبار "عليّ وعلى أعدائي"، وهي فكرة لا يمكن أن تصدر في الوضع الطبيعي عن منظومة حكمٍ قوميةٍ تبحث عن مصلحة بلادها ومصلحة الدول الشقيقة المجاورة، بقدر ما تبدو عمليةً وظيفيةً، لقوى مستترة أخرى، تترقب من بعيد لإشعال المنطقة، عبر توفير عمليات التحريض المتواصلة، وإعلان الاستعداد الكامل لتمويل الحرب ضد متلازمة الرّهاب الحالي: تركيا، الإخوان المسلمين، وقوى التحرّر الوطني. بل هي في الواقع أكثر من لعبة خطرة جدا، فتسليح قبائل في الشرق، لا يعني شيئا آخر غير وضعها وجها لوجه مع قبائل أخرى مثل الزنتان وورفلة والمغاربة وغيرها من القبائل الليبية التي تبرّأت من المشايخ الذين بايعوا عبد الفتاح السيسي، وأكدت أن القبيلة في ليبيا ليست أكثر من مظلة اجتماعية، ولا علاقة لها بالشأن السياسي. وأعلنت مساندتها لحكومة الوفاق، ما يعني ترسيم الحرب الأهلية، وإدخالها في منطق الثارات والعداوة بين أبناء الوطن الواحد، بينما يتماهي التدخل العسكري المصري، إذا ما حصل فعلا، مع فكرة التقسيم التي يبدو أنها باتت خيار قوى دولية كثيرة، ومنها مصر، التي تركز أنظارها حول الهلال النفطي، وما تحتويه أرض ليبيا من خيراتٍ بغرض استغلالها على حساب الليبيين.

 إذا كان التدخل التركي يشكّل مصدر قلق للجزائر، باعتبار تركيا عضوا في حلف الناتو، فإن التدخل المصري يشكل تمهيدا لفصول لعبة بالغة السوء

بل تدرك الجزائر أن موضوع القبائل ليس أكثر من غطاء أخرق، لإعطاء التدخل المصري شرعيةً وهمية، في مواجهة شرعية القانون الدولي الذي يحظى به التدخل التركي الذي حصل بطلب من حكومة الوفاق الشرعية، ووفق اتفاقية تعاون عسكري موقعة في ديسمبر/ كانون الأول 2019. وبالتالي، إذا كان التدخل التركي يشكّل مصدر قلق للجزائر، باعتبار تركيا عضوا في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، فإن التدخل المصري يشكل تمهيدا لفصول لعبة بالغة السوء، تتجاوز موضوع إسقاط المبادرة الجزائرية للحل السياسي، عبر الانتخابات وكتابة دستور جديد، ونهب النفط والغاز والثروات الأخرى، وإدخال الشركات والعمالة المصرية والاستحواذ على مشاريع إعادة الإعمار، إلى ما هو أخطر، نحو مخططات الضم وتوطين ملايين المصريين، وإحداث التغيير الديموغرافي الذي يدمّر كيان ليبيا، ويهدّد بقاء المغرب العربي على حاله، باعتبار أن عملية تفكيك ليبيا وتخريبها ليست سوى مقدمةً لتفكيك بقية دول المغرب العربي وتخريبها، على غرار ما حصل في دول المشرق. 
هذه اللعبة أخطر من أن ينفذها بلد واحد، أو يتحملها بلد واحد أيضا. ولذلك حين ترفض الجزائر استقبال عقيلة صالح لتسلم مبادرة مصر، في وقت يؤكّد فيه الرئيس تبون على وجود تنسيق يومي مع تركيا بشأن الملف الليبي، فهذا يعني أن الجزائر ترفض أن تلعب القاهرة لعبتها الخطرة وحدها، بينما تبقى هي كما لو أنها "أطرش في الزّفة"، الأمر الذي يستلزم معه ردود فعل بمستوى حجم هذه اللعبة الخطرة، لعل من أبرزها تيقن صانع القرار الجزائري، بضرورة خروج الجزائر من عزلتها التقليدية، عبر إقرار مبدأ إرسال قوات الجيش خارج الحدود ضمن بنود تعديلات الدستور المقبل.