لحظة مصالحة بين العلم والإيمان

27 مارس 2020

(مروان قصاب)

تقف البشرية كلها، لأول مرة، على قدم واحدة، وجها لوجه أمام خطر يهدّد وجودها وكيانها. العالم كله من أقصاه إلى أقصاه يعيش أزمة مصيرية واحدة، يقف أمامها الجميع برعب وخوف وأمل ورجاء واحد، إنها لحظة مصيرية حقا، لا تمتلك فيها البشرية خيارا سوى المواجهة العلمية والاستسلام الإيماني بقدرة خفية، يمكنها انتشال البشرية من لحظة رعبها هذه. 
ومن بين ركام هذه الأزمة الكونية الخطيرة، تبدو هذه اللحظة الكورونية الأولى في تاريخ جدل الأفكار ومعاركها التي يلتقي فيها الإيمان والعلم في لحظة مصالحة غير مسبوقة، لحظة ينبغي أن نتوقف عندها كثيرا فيما يتعلق بجدلية الأفكار وصيرورتها، فيما يتعلق بحدود العلم والدين في حياة الإنسان والبشرية ككل، فعلى مدى تاريخ البشرية، الديني والفكري، كان جدل كبير يحتدم، فيما يتعلق بحدود الدين والعلم، في تفسير حياتنا ومصائرنا، هذا المصير الذي يقف العلم اليوم أمامه، من دون إجابات مقنعة، لأنها إجابات متعارضة بالضرورة مع التصور الديني للمتدينين، ربما في كل الأديان والمذاهب، ففي لحظة تاريخية فارقة، في منتصف القرن السادس عشر الميلادي، خرج نيكولاي كوبرنيكوس بنظريته أن الشمس مركز هذا الكون، وأن الأرض وكل الكواكب الأخرى تدور حولها، في تحدٍّ كبير ومصيري للتصور الكنسي البطليمي الذي كان يقول إن الأرض هي مركز الكون. وتلت تلك النظرية ثورة علمية كبرى على مختلف المستويات، من تلسكوب غاليلو وصولا إلى قانون جاذبية نيوتن، وكلها كانت تصب في خانة التصور العلمي للكون، بعيدا عن أي تفسيرات دينية قاصرة لم يأت بها الدين نفسه.
ونعرف جميعا اليوم ما الذي ترتب على مثل تلك الثورة العلمية الكبيرة، فيما يتعلق بالمصير 
البشري في الفلسفة والسياسة، حيث طغى المنزع العلمي المجرّد في رؤيته وتصوره لكل ما له علاقة بالإنسان. ومن بين ثنايا هذه التوجه العلمي الصرف، انبثقت فكرة العلمانية تصورا وسلوكا، والتي لم تتوقف حدودها في تفسير الكون علميا، بقدر ما بالغت في تفسيراتها للمصير الأخروي للإنسان وتشييئه.
كانت هذه التصورات نتاجا طبيعيا لفكرة موت الآلهة لفدريرك نيتشة، كما في كتابه "العلم المرح"، والتي عملت على توليد فكرة العلمانية، وفصل أي تصور ديني للحياة، فلسفيا وسياسيا، باعتبار العلم صار إلها، وأن فكرة الإله ماتت وانتهت في تصوراتنا كاملة، ما قاد البشرية بعد ذلك إلى الخضوع الكلي للتصور العلمي البحت والمجرّد، باعتبار أنه ليس لهذا الكون سوى آلة أوجدتها المصادفة، ووحدها المصادفة من يمكنها إنهاءها، متجاوزين التفسيرات الدينية ومسلماتها التي ترى أن ثمّة حياة أخرى، بعد الموت البيولوجي للإنسان، وأن ثمّة شيئا ينتظره وراء الطبيعة.
في المقابل، بقيت التصورات الدينية هي الأخرى خاضعةً، ليس للمنطق الديني في النص الأم، وإنما لحقت بها تصورات بشرية خرافية، بقالب ديني، وقفت وراءها الكنيسة وبعض الوعاظ والمتصوفة والكهنة، تلك التصوّرات التي لا تتصارع مع المحاولة العلمية لتفسير الكون، بل تتعارض قطعا مع النص الديني الصحيح ذاته، نتيجة نشوء طبقة رجال دين بوصفهم سلطة مستقلة بحد ذاتها، لها مصالحها وتصوراتها الخاصة بها لاحتكار التفسير الديني كل شيء على حساب النص والعلم معا.
هذه التناقضات والصراعات بين تياري التفسيرين، العلمي والديني، للكون، أوجدت صراعا مريرا وطويلا بين الدين والعلم، ومن ثم الإيمان والشك، ساهم في وصول الجدل إلى حالة القطيعة التامة، والصدام مع أبسط قواعد المنطق العلمي من المتدينين، وأبسط حقائق التصور الديني من الملحدين، ما أحدث حالة من الصراع العدمي والدامي في أحايين كثيرة، والذي يمكن بسهولة الخروج من متاهته بترك حدود واضحة بين التصورين، العلمي والديني، بحيث يتم تنقية النص الديني من خرافاته وشطحاته، وتوقف العلم عند مسلمات النص الديني لا يكفرها ولا يصدقها، وإنما يحترم معتنقيها على الأقل.
على هامش جائحة كورونا الكونية التي باتت تتعاظم خطورتها كل يوم، مهددة الوجود البشري، 
تبرز لحظة صفاء ومصالحة لأول مرة في تاريخ البشرية بين الدين والعلم، ينبغي التقاطها سريعا والبناء عليها، لإعادة مسار الأفكار إلى حدودها الطبيعية، فيما يتعلق بالتصورين، الديني والعلمي، للكون والإنسان، فمما برز على سطح المشهد، على هامش هذه الجائحة الكونية، تسليم زعامات العالم اليوم الذين تعرضت بلدانهم لجائحة كورونا، وأمام حالة العجز هذه في مواجهة هذه الجائحة الفيروسية المميتة، تجلى الفشل الكبير لكل ممكنات الأرض ولم يبق سوى تدخل السماء، في إشارة واضحة وقاطعة إلى أن ثمّة عجزا في مواجهة ظاهرة عجز العلم أمامها حتى الآن على الأقل، ولم يتبق سوى العناية الإلهية، تتدخل لإيقاف هذه الجائحة الملعونة، والتي تحصد أرواح البشر من دون رحمة، لا تفرّق بين جنس وآخر ولون آخر، مستهدفة البشرية قاطبة.
حالة التسليم هذه بالإرادة الإلهية فطرية كامنة في النفس الإنسانية في حالة عجزها وضعفها أمام كوارث الكون واضطراباته الكبرى بين حين وآخر، فضلا عن حالة الخطر التي قد تطرأ للفرد الإنسان في لحظة ما، ما يبرهن فطرية الإيمان في النفس الإنسانية، وأن حالة الشك، فضلا عن الإلحاد ذاته، عرضية طارئة، وليست أصيلة في النفس البشرية.
وأمام هذه الحالة، ثمّة حالة مقابلة لها في الطرف الآخر، وهي التسليم التام من المتدينين في كل الأديان والمذاهب، بأهمية العلم واكتشافاته لسنن الكون والحياة والأحياء، وهو ما تجلى راهنا بحالة التسليم لكل التعاليم الطبية العلمية الصارمة التي تقدّمها الحكومات لمواطنيها بخصوص تجنب الذهاب إلى التجمعات، كدور العبادة من جوامع وكنس وكاتدرائيات وغيرها، تجنبا لانتقال عدوى الفيروس الذي يجتاح العالم اليوم متخطّيا الحدود والأجواء، فلأول مرة في تاريخ الإسلام، تتوقف صلاة الجمعة والجماعة، في مكة المكرمة والمسجد النبوي، كأهم مكانين مقدسين للمسلمين. ومثل ذلك حدث في معظم الجوامع والمساجد في العالم، وكذلك الكنائس وغيرها، هذه الحالة المثيرة، في تلقّي التعليمات الطبية بهذه الصرامة، وما أثارته من جدل كبير، هي لحظة فارقة في تاريخ الأديان والمتدينين عموما، لم يكن من السهل الوصول إليها في ظرف آخر غير هذا، أي الوصول إلى هذه المرحلة من التسليم بالتعاليم الطبية والعلمية، والتي لا تتعارض قطعا مع التعاليم الدينية تجاه الأخطار والأوبئة، لولا مرحلة القطيعة بين الدين والعلم التي استغلت سياسيا لتخليق حالة تصادم بينهما، للاستفادة من هذا التصادم غير المنطقي وغير العلمي والإيماني.
وفي الوسع اليوم البناء على حالة التصالح النسبية التي برزت مع هذه الجائحة، والتقاط خيوط
 النقاش والحوار، لإعادة رسم حدود واضحة وتقاطعات مشتركة بين الدين والعلم، فما عجز عنه العلم قد يكمن في التسليم الإيماني به، وما عجزنا عن فهمه في النص الديني، أو غير موجود فيه أصلا، باعتبار الدين مصدر هداية إلهية لا مصدر علم طبيعي، قد نجد له تفسيرا علميا لا يتقاطع مع الغيبيات الدينية ويقينياته.
البشرية اليوم في أمس الحاجة إلى مصالحة حقيقية بين الدين والعلم، لإنقاذها من حالة الضياع وشبح الرعب المخيم عليها اليوم، والذي لا يمكن مواجهته من دون وجود الدين والأخلاق والقيم والعلم معا في صف واحد، لإيقاف حالة الرعب الراهنة، لأن الظاهرة الإلحادية التي تحاول إيجاد صراع عدمي بين الدين والعلم حالة شاذة، وغير أخلاقية أصلا، تسهم في تشيئة الإنسان ونسف يقينياته التي تحميه من حالة اللايقين والضياع والقلق، والعبث بمصير البشرية كلها، ودفعها إلى الانتحار بإنجازاتها العلمية الهائلة التي لن يحميها منها سوى البعد الديني، ومن ثم الأخلاقي، أمام حالة الإلحاد العدمية اللاأخلاقية الراهنة.