لبنان يقترب من لحظة فوضى

لبنان يقترب من لحظة فوضى

12 اغسطس 2014
الصورة

عون بمكتبه بعد قصف سوري في مارس 1989(أ.ف.ب)

+ الخط -


لم يفلح (البيك) وليد جنبلاط، أو باروميتر السياسة اللبنانية، كما يحلو لبعضهم تسميته، بالاستشعار الدقيق لمسارات الحالة اللبنانية، فالوقائع تقول إن الرجل تأخر كثيراً في تنبيهه للخطر القادم على لبنان، بعد لقائه أمين عام حزب الله، حسن نصر الله، الأسبوع الماضي، وإنّ ما حذّر منه بات لبنان في قلبه، منذ أكثر من عامين، وهو تاريخ انخراط أطرافٍ لبنانية في الحدث السوري، معطوفاً عليها السعي الحثيث لنظام دمشق إلى تصدير مفاعيل الأزمة إلى الجوار اللبناني، انطلاقا من استراتيجيةٍ تهدف إلى إخراج النظام من ورطته، عبر لعبة إعادة خلط الأوراق في المنطقة كلها، والبداية من لبنان، باعتبار جسمه لبّيساً، على ما يقول مثل مشرقي، لكل أشكال التصاميم التي يبتدعها جواره.

فتحت أزمة عرسال الباب مشرعاً أمام سؤال حول الوقت المتبقي للبنان، خارج حدود الفوضى الشاملة، وما إذا كانت ثمة مساحات ممكنة للاتفاق بين أطرافه. البلد يعيش فوق ركام من الأزمات، لم يتم التوافق على انتخاب رئيس للجمهورية، والنظام السياسي معطل، كما تعمقت الخلافات بشأن مختلف القضايا، حتى المسلمات الأساسية، ضربتها موجات الانقسام، وكل المؤشرات تثبت أن مسؤولي لبنان استقالوا تماماً من مهمة وقف انحدار البلد صوب الحرب الكاملة، وتركوا الأزمة تتشكل، وفق مقتضيات الحالة السورية. ونتيجة لذلك، بات لبنان يرقص على أنغام الأزمة، وتحولت ساحته إلى مجرد مرآة عاكسة للأفق المسدود في سورية.

في المحصلة، صار لبنان مفتوحاً على المشهد السوري، والأصح أنه صار جزءاً من ساحته، اندمجت مناطقه الشرقية والشمالية في الحرب السورية، إما بسبب احتضانها الفارّين من طغيان نظام الأسد مثل حالة عرسال، أو بسبب وقوعها على خط التوتر المذهبي والاضطراب الأمني، مثل حالة طرابلس. وصارت هذه المناطق تستعير آليات الحرب السورية، وتتماهى مع انقساماتها، فيما صار جنوب لبنان وبقاعه خزاناً بشرياً لتلك الحرب. بالتوازي مع ذلك، أغفل لبنان الرسمي رسم استراتيجية الحد الأدنى، للتعامل مع إفرازات الأزمة. ومن البداية، كان التصور السائد لدى أفرقائه أن الوقائع صارت أكبر من قدرة الجميع على رسم استراتيجيات لمواجهتها.

في الأصل، ينطوي لبنان على أعطاب كثيرة، لجهة اجتماعه الوطني، فالبلد يفتقر إلى الأبنية السياسية، التي يمكنها لعب دور مهم في صناعة التوافق، فلا أحزاب سياسية يمكنها القيام بهذا الدور، وكل الأحزاب تشكيلات ذات صبغة طائفية، أقرب إلى النمط الميليشياوي، منها إلى الشكل السياسي، ولا مؤسسات بيروقراطية، يمكنها تحقيق التفاعل الوطني، ذلك أن استنادها إلى مبدأ المحاصصة أفرغها من دورها الانصهاري الوطني، حتى الجيش، الذي يصر اللبنانيون على اعتباره المؤسسة الوطنية الجامعة، ليس محصناً بالقدر الذي قد يؤهله لتجاوز حالات الانقسام العميقة، كالتي تضرب عمق الاجتماع اللبناني.

كما لم يكن حياد لبنان عن مسارات الأزمة في سورية ممكناً، ولا مستطاعاً من مكوناته، فإنه يبدو من الصعب الانفكاك عن مآلات الأزمة. وتؤكد الوقائع وجود نمط من الاندماج العميق مع عناصر الأزمة السورية، حتى تبدو الحالة اللبنانية أقرب إلى ما يشبه حالة الظل لسورية، سواء لجهة مفرزات الأزمة من لاجئين واضطراب مذهبي، أو لجهة التشارك مع الأطراف السورية المتقاتلة، وإن كانت الحالة أوضح لدى طرف عن الطرف الآخر.

قد لا يتحمل لبنان وحده مسؤولية الأوضاع الصعبة، التي يمر بها، ثمة قوى إقليمية وضعت البلد على فوهة بركان الأزمة السورية، حينما أصرت على أن تلعب بعض أطرافه أدوار واجهات لها في سورية. وتتحمل إيران، تحديداً، الجزء الأكبر من مسؤولية انفجار الوضع في لبنان، لأنها دائما كلفّت البلد بوظائف لا طاقة له بتحملها، ومن المعروف أن حزب الله جرى دفعه إلى الداخل السوري، وأن هذا الأخير كان ضحية تقديرات مضللة عن قدرته، أولاً، في إمكانية حسم المعركة لصالح المحور الذي يتبع له، وعن طبيعة الحرب السورية، وبالتالي، فهو يحصد ثمار التوريط الإيراني له.

وتتحمل الأطراف الدولية مسؤولية انفجار الوضع في لبنان، فحكومات غربية كثيرة كانت تدرك، وبناء على تنبيهات سياسية وتقديرات أصدرتها مراكز مختصة، هشاشة الوضع اللبناني إزاء الأزمة السورية، والمخاطر التي قد يواجهها في حال استمرار الأزمة. وليس لبنان وحده، وإنما المنطقة برمتها، غير أن سيطرة الانتهازية والسياسات قصيرة النظر على مواقف الحكومات الغربية، وربما الرغبة في التجريب، هي ما أوصلت الأمور إلى ما هي عليه الآن.

راهن كثيرون في لبنان على ضعف المكون السني اللبناني، وكذلك اعتداله، وضعف احتمالات جره إلى التطرف، والسير وراء بعض المتعصبين، وانطلاقا من ذلك، رسموا مساحاتٍ واسعةً تفصل لبنان عن الانفجار، حتى لو تمادى حزب الله والأحزاب القريبة منه في الانخراط في الأزمة السورية، ولأن الثورة السورية ستنتهي في ثلاثاء قادم، على ما تنبأ الجنرال ميشال عون! معطوفا على ذلك التقدير بعدم وجود قرار دولي بتفجير الوضع اللبناني، من دون الانتباه إلى أن الأوضاع في المنطقة صارت أكبر من قدرة طرف إقليمي، أو دولي، على ضبطها، لكن، أيضاً، من قال إن الأمور غالباً لا تنهار بشكل دراماتيكي، وخصوصاً أنها تستند إلى تراكمات من عدم الثقة والشك؟ من استطاع تقدير حصول الثورة السورية على نظام الأسد، الذي يحصي أنفاس الناس، يستطع معرفة كم بقي للبنان خارج أتون المحرقة!