لبنان يعيش ثورة الشقيق الأكبر

لبنان يعيش ثورة الشقيق الأكبر

16 مارس 2014
الصورة
بات تشييع مقاتلي حزب الله في سوريا أمراً عادياً
+ الخط -
مرّت السنوات الثلاث للثورة السورية على لبنان، وكأنه المحافظة السورية الخامسة عشرة. لطالما تصرّف حكّام دمشق وبيروت على هذا الأساس، في العقود الثلاثة الأخيرة، عندما كان الحاكم العسكري السوري هو الذي يُدير السياسات المحليّة ويُعيّن الحكومات والمدراء العامين وقيادات السلك العسكري والأمني، ويُقرّر السياسات الخارجيّة.

وفي السنوات الثلاث الماضية، لم يختلف هذا المنطق، بل اختلفت الأدوات والطرق والصيغة. صار لبنان وكأنه المحافظة الأكثر هدوءاً في سوريا، لا بل هو الذي يؤثّر في باقي المحافظات.
بدا وكأنه هو العمق الجغرافي للنظام السوري الذي استعان بخيرة شبابه المقاتلين، كقوة ضاربة للدفاع وللهجوم، في المحاور المشتعلة.
توجّه مقاتلو حزب الله إلى سوريا وصاروا يعودون منها أحياء أو جرحى أو قتلى، من دون أن يسأل أحدٌ أو يُحقّق، بل راحت الأجهزة الأمنيّة اللبنانية تتولّى عمليّة إدخال جثامين القتلى، وكأن الحدود بين البلدين غير موجودة.

ولبنان هذا، أيضاً، تحوّل إلى مكانٍ لنزوح المواطنين السوريين، الذين تحوّلوا إلى رُحَّل، ينتقلون من بلدة إلى أخرى كلّما قُصفت هذه البلدة، فوصل منهم إلى لبنان ما يقرب من المليون نازح، بحسب الأرقام الرسميّة لمفوضيّة اللاجئين للأمم المتحدة، ونحو مليون ونصف مليون نازح، بحسب الأرقام غير الرسميّة. لم يُنظّم لبنان عمليّة اللجوء ولم يبنِ أي مخيم رسمي، فكل المخيمات المنتشرة فيه حالياً، غير رسميّة، وصغيرة، مشابهة لتلك التي توجد في الشمال السوري. تُرك الأمر للهيئات والمنظمات غير الحكوميّة والدوليّة. أدّت الجمعيّات الإسلاميّة دوراً أكبر من غيرها، بطبيعة الحال. الفرق الوحيد هو حركة هيئات الأمم المتحدة غير المقيّدة.

داخلياً، انقسم اللبنانيّون بين مؤيّد للنظام وآخر مؤيّد للمعارضة السوريّة. اتَّهمَ النظام السوري وحلفاؤه، داعمي المعارضة بإرسال الأموال والسلاح إلى الداخل السوري، وتصدّر الرئيس سعد الحريري وفريقه (تحديداً النائب عقاب صقر) والسلفيين الإسلاميين هذه اللائحة.

تُشير المعلومات إلى أن السلاح المُهرّب من لبنان إلى سوريا، لعب دوراً في معركة حمص الأولى، في مطلع عسكرة الثورة. لكن في الأشهر اللاحقة، بات هذا السلاح غير ذي فائدة مقارنةً بما هو موجود في سوريا، لا بل بات بعض هذا السلاح يُهرّب إلى لبنان. كما انضمّ عدد من اللبنانيين إلى القتال إلى جانب المعارضة، من دون أن يكون لهؤلاء أي فصيل منظّم، وظلّت تلك المشاركة "فرديّة".

في المقابل، شارك حزب الله علناً في القتال إلى جانب النظام، وأعلن الأمين العام للحزب، حسن نصر الله، رسمياً، أن مشاركة حزبه منعت سقوط دمشق. وساهمت هذه المشاركة بتعديل موازين القوى في الداخل السوري، بحيث استعاد النظام المبادرة في نقاط عدة، وخصوصاً الخط الساحلي وحمص، وصولاً إلى دمشق. كذلك، شارك الحزب السوري القومي الاجتماعي في القتال إلى جانب النظام بشكل شبه علني. مشاركةٌ أخطر ما فيها أنه بات هناك مَن يظن أن لبنان يُمكن أن يحكم سوريا.

انعكست المشاركة اللبنانيّة في القتال السوري، قتالاً في الداخل اللبناني. من معركة الشيخ أحمد الأسير في صيدا، جنوب لبنان، مع الجيش اللبناني، إلى سلسلة التفجيرات التي تضرب الضاحية الجنوبية والبقاع الشمالي. أخطر ما في هذه العمليات، أن الانتحاريين هم لبنانيون وفلسطينيون يعيشون في لبنان، وقد ربط منفّذو هذه العمليات وقفها، بانسحاب حزب الله من سوريا.

سياسياً، دخل لبنان مع الثورة السوريّة عصر التعطيل، فلم تستطع حكومة نجيب ميقاتي أن تُنجز أياً من الملفّات، ووصل عجزها إلى حدّه الأقصى مع الفشل في إجراء الانتخابات النيابيّة، فمدّد المجلس النيابي لنفسه سنة ونصف السنة. وتراجع الوضع الاقتصادي في هذا البلد بشكلٍ حاد، خصوصاً في قطاع السياحة، وهو الذي كان أهم القطاعات التي يعتمد عليها الاقتصاد اللبناني.

لكن التبدّل السياسي الحقيقي، ربطاً بالثورة السوريّة، كان تجرّؤ الرئيس اللبناني ميشال سليمان على انتقاد الرئيس السوري بشار الأسد، وتوجيه ملاحظات إليه على خلفيّة اعتقال الوزير السابق ميشال سماحة وبحوزته عشرات العبوات المعدّة للتفجير والاغتيال، وقد زوّده إياها رئيس مكتب الأمن القومي السوري علي المملوك.

قبل أيّام، وصل وزير الخارجيّة السوري وليد المعلّم إلى بيروت بشكلٍ عاجل وسري بسبب وضعه الصحي، واضطر الأطباء في مستشفى الجامعة الأميركيّة إلى إجراء عمليّة قلبٍ مفتوحٍ له. أُعطي المعلّم إسماً مستعاراً، هو "سارة الخطيب"، ثم تغيّر إلى إسم رجل، بعدما راجت أكذوبة "سارة الخطيب". كما وُجّهت رسائل تحذير عديدة شديدة اللهجة إلى الفريق الطبي والإداري في المستشفى، لمنع تسريب أي معلومة عن وضع المعلم أو رقم غرفته، كما انتشر العشرات من أفراد أمن حزب الله لتأمين المكان، كلّ ذلك خوفاً من تعرُّض أحد اللبنانيين أو السوريين للمعلم. عام 1999، وصل فاروق الشرع إلى بيروت لإجراء عمليّة قلب مفتوح في المستشفى عينه، وكان في حينها وزيراً للخارجيّة. وصل عدد باقات الورود المرسلة إلى المئات، والوفود والشخصيات المطمئنة إلى العشرات.

المقارنة بين عمليّتَي الشرع والمعلّم، ترسم لنا حجم الاختلاف في دور سوريا في لبنان بين ما قبل مارس/ آذار السوري وما بعده.

المساهمون