لبنان وطن الفاسدين

لبنان وطن الفاسدين

13 مايو 2017
الصورة
+ الخط -
لم نخرج من تلك الحرب الأهلية اللعينة (1975ـ 1990) في لبنان سوى بمسارٍ أكثر انحداراً. مسارٍ أودى بنا إلى تقبّل انتشار الفساد في كل ذرّةٍ من حياتنا اليومية. وبات حلمنا بالقضاء على هذه الآفة أقرب إلى وهم، أو خيالٍ يجنح نحو الانفصام بين ما نريد والواقع أو أمر الواقع. 
تبدأ مقاربة الفساد في لبنان من عباراتٍ متداولة، باتت أقرب إلى عرفٍ مثل "شو بيطلعلنا" (على ماذا سنحصل) و"منعملنا قرشين" (نكسب أموال) وغيرهما. ويعني ذلك أن انعكاس تلك العبارات على حياتنا اليومية، بحجّة "تدبّر الأمور"، أضحى واقعاً معيشاً يهدّد منظومة اجتماعية ـ اقتصادية شاملة. ربما لذلك يشتهر الاقتصاد اللبناني بالصمود، على الرغم من قلّة صادراته قياساً على وارداته، لكونه لا يقوم سوى على الفساد بحدّ ذاته.
هل تعلمون أنه، في لبنان، يُمكن أن يغشّك ميكانيكيّ ما بأمرٍ متعلّق بسيارتك، فقط لأنه يريد الاستفادة منك مادياً من دون السؤال ما إذا تدهورت سيارتك لاحقاً وقُتلتَ؟ هل تعلمون أنه في لبنان، يُمكن لطبيبٍ ما أن يطيل مدة علاجك ليستفيد منك مادياً، على الرغم من أن قضيتك الطبية قد تكون غير خطرة؟ هل تعلمون أنه في لبنان، يُمكن للدولة اللبنانية العودة إليك بعد 30 عاماً لتقول لك "هناك فاتورة كهرباء باسمك، في عهد ما قبل التاريخ، وعليك تسديدها؟".
هل تعلمون أنه في لبنان، حين يقف الدركي على إشارة السير، لا ينظّم السير، بل يفتح هاتفه ليردّ على الاتصالات، ويتحدّث على "الواتساب"؟ هل تعلمون أنه في لبنان، لا قانون إيجارات يُنصف المالك والمستأجر على حدّ سواء، بل إن أي قانون يصدر، يكون محوره دعم الفاسد الأكبر في العقارات، وهم سياسيون أو مقرّبون من الطبقة السياسية؟ هل تعلمون أن عمليات الهندسة المالية في المصارف اللبنانية تتمّ بناءً على علاقات شخصية، لا على ضرورة مصرفية شاملة؟ هل تعلمون أن في وسع الدولة اللبنانية إجراء إحصاء كامل لكل ما تنتجه وتستورده وتصدّره في قطاعات صناعية وزراعية، كي تحقق نوعاً من اكتفاءٍ ذاتي، لكنها تُحجم عن ذلك، بغية السماح بإغراق السوق المحلية بالبضائع الأجنبية، لأجل وكلاء حصريين، يموّلون السياسيين ومشاريعهم؟
هل تعلمون أنه بين كل محطة وقود وأخرى في لبنان هناك محطة وقود أخرى، وكذلك الأمر لدى معارض السيارات؟ وهو أمر غير معهود حتى على المستوى الإقليمي. هل تعلمون أن الساعين إلى كسب لقب "قنصل فخري" في بلاد أفريقية وآسيوية وفي أميركا الوسطى، غير مؤثرة دولياً، يعملون من أجل الحصول على الحصانة الدبلوماسية التي تتيح لهم تبييض الأموال، ونقل البضائع بالجملة والمفرق، من دون إخضاعها لضريبةٍ تستفيد منها الخزينة اللبنانية؟
هل تعلمون أن في وسع الإدارات الرسمية في الدولة اللبنانية التحول، في لحظةٍ، إلى المكننة، وتسهيل الأمور الحياتية للبنانيين، لكن الدولة لا تريد ذلك، من أجل مصالح الآلاف من المحسوبين على السياسيين وأمراء الحرب. بالتالي، تفضّل الدولة استمرار الاهتراء في عمل تلك الإدارات، وتعريض المواطنين للإهانات اليومية من موظّفٍ محمي من زعيمه؟ هل تعلمون أنه، في لبنان، وفي سياق الكوميديا السوداء، يمكن أن تفتش عن الطعام في مكب للنفايات، من دون أن يأتي أحدٌ ويفرض عليك ضريبة، لا بل يأتي من يستفيد إعلامياً منك ويمنحك مبلغاً من المال، وإظهار نفسه "محسناً كبيراً"؟ هل تعلمون أن نائبا لبنانياً دخل غرفة أحد المستشفيات لسببٍ طبي تافه، ولحظة دخوله تمّ إخراج مريضٍ بحالة صحية أكثر خطورة منه من الغرفة؟
عليكم أن تعلموا أن المشكلة في لبنان غير متعلقة بطبقةٍ سياسيةٍ، حاكمة ومعارضة، بل مرتبطة بذهنيةٍ لا نريد التخلّص منها. في النهاية، كما نكون يولّ علينا. وإذا كان الفاسدون مستمرين في السلطة، فلأننا، بدورنا، مشاريع فساد في المستقبل.