لبنان وتحدّيات الانتفاضة الشعبية

11 نوفمبر 2019
الصورة
الانتفاضة الشعبية التي اندلعت في لبنان على خلفية رفض الشعب فرض مزيد من الضرائب والرسوم عليه في موازنة العام 2020 أطلق بعضهم عليها تسمية الثورة، وأبرز ما فيها لم يعتد عليه اللبنانيون منذ فترة طويلة، وفاجأ الطبقة السياسية الحاكمة، بل فاجأ العالم وقسماً من اللبنانيين أنفسهم، أنها كانت انتفاضة شاملة وعفوية في بدايتها، عابرة كل الطوائف والمذاهب والمناطق والقوى السياسية، طالبت برحيل الطبقة السياسية كلها، وإسقاط النظام الذي حمّله المتظاهرون مع الطبقة الحاكمة، المسؤولية عن الفساد، وعما آلت إليه الأمور في البلاد على المستويين، الاقتصادي والاجتماعي. وقد أرعب هذا المشهد والمطلب كل القوى السياسية ابتداءً، وجعلها تنكفئ عن المشهد الإعلامي، وتبحث لنفسها عن طوق نجاة من مطالب المتظاهرين الذين صمدوا في الساحات أسبوعين، كانت السلطة تراهن خلال أيامهما على تعب المتظاهرين، وانكفائهم إلى بيوتهم ومنازلهم، ومن ثم عودة المشهد إلى ما كان عليه قبل انتفاضتهم، إلا أن صمودهم حقّق لهم بعض الإنجازات، ربما لم تكن على مستوى طموحاتهم، ففرض على الحكومة أولاً إقرار ورقة اقتصادية اجتماعية (اجتماع الحكومة 19/10/2019) تضمّنت أبرز المطالب الشعبية، وفي مقدمها عدم فرض ضرائب، وموازنة للعام 2020 مستوى العجز فيها أقل من 1%. وقد شكّك المتظاهرون بجدّية هذه الورقة، كما شكّكوا بقدرة الحكومة على تنفيذها، ولذلك رفضها المتظاهرون، وأصرّوا على التمسك بالساحات، كما بمطلبهم الأساسي، وهو رحيل الطبقة السياسية. وقد حقق لهم الصمود الثاني مطلب إرغام رئيس الحكومة على تقديم استقالة حكومته تحت ضغط الشارع
(29/10/2019)، وكان هذا إنجازاً جديداً للانتفاضة، ولكنه وضعها أمام تحدّيات جديدة وخطيرة، وتنذر بإعادة الأمور إلى المربع الأول، إذا لم تستدرك الانتفاضة مخاطر تلك التحدّيات، والتي يمكن إيجاز أبرزها بالتالي:
تحدّي الاتفاق على مطلب واحد ورسم خطة واضحة لتحقيقه. وهنا برز وما زال التناقض أو التباين بين المشاركين والفاعلين في الانتفاضة، فبعضهم ما يزال يتمسّك بمطلب إسقاط النظام، من أجل تشكيل نظام سياسي جديد في لبنان يختلف بنيوياً عن النظام الحالي القائم على المحاصصة الطائفية. وقد يبدو هذا المطلب صعباً في بلد مركب من مزيجٍ من "الأقليات"، ولكنه أمام مآسي الناس وأزماتهم التي يكتوون بها جرّاء ما أفرزه وأورثه هذا النظام، يبقى أمراً متاحاً وممكناً. أما القسم الآخر من المشاركين والفاعلين، فإنهم رفعوا مطلب تشكيل حكومة جديدة يكون وزراؤها من أصحاب الاختصاص، بمعنى أن هؤلاء ليست لديهم مشكلة مع النظام القائم، إنما مشكلتهم مع الحكومة وسياستها. وبالتالي، بدت المساحة شاسعة بين أصحاب المطلب الأول وأصحاب المطلب الآخر الذين تركّز جهدهم وعملهم بعد استقالة الحكومة على تشكيل حكومة الأخصائيين. وهنا يبدو التحدّي الأول الذي شطر الانتفاضة إلى شطرين، وجعل زخمها يتراجع عمّا كانت عليه سوى في بعض المدن والساحات التي ما تزال ملتهبة.
التحدّي الثاني، لا يقلّ أهمية أو خطورة على الانتفاضة، هو العودة إلى المربّع الطائفي. فالكل كان يدرك في لبنان أن قوة هذه الانتفاضة الأساسية هي في خروجها من المربّع الطائفي المذهبي إلى الفضاء الوطني الواسع، وقد أرعب هذا التوجه كل أركان الطبقة السياسية التي 
تحتمي بالطوائف. ولذلك تم العمل، بشكل حثيث، على إعادة المتظاهرين الذين كانوا ينتمون إلى كل المكوّنات الطائفية التي يتشكل منها لبنان إلى مربعهم الطائفي، لأنهم كانوا يدركون أنها الطريقة الوحيدة، أو الأكثر فعاليةً في إجهاض هذه الانتفاضة. ومن هنا تابعنا كيف عمل بعض من في السلطة على إثارة النعرات الطائفية، إما بمحاولة فتح ملفات فساد أمام القضاء، تطاول بعض الشخصيات من مكوّن طائفي معيّن (القاضية غادة عون وفتح ملف رئيس الحكومة الأسبق، نجيب ميقاتي)، أو بإبراز الخطاب الطائفي المثير والمستفز، كما حصل في هجوم شبّان على المتظاهرين في ساحتي رياض الصلح والشهداء وإطلاق ألفاظ وكلمات تثير النعرات الطائفية والمذهبية (29/10/2019)، وإما من خلال تصاريح وتصرفات مسؤولين دينيين، كما في زيارة مفتي الجمهورية رئيس الحكومة المستقيل، سعد الحريري، في منزله بعد تقديم استقالته، في رسالة دعمٍ فُسّرت على أنها في وجه محاولات تحميله منفرداً مسؤولية الأزمة. وفي بيان مجلس المطارنة الذي دعا إلى الالتفاف حول رئيس الجمهورية بعد استقالة الحكومة، والذي فُسّر دعما للرئيس، كي لا يتم إسقاطه أيضاً عبر التظاهرات، وقد تمّ تصوير ذلك كأنه هزيمة مكوّن طائفي أمام مكوّن آخر، وكان الغرض من ذلك إثارة المشاعر الطائفية عند المتظاهرين لإعادتهم إلى المربع الطائفي. وكان أحد أبرز
 فصول هذه المحاولة حديث رئيس الجمهورية، عشية الذكرى الثالثة لرئاسته، عن ضرورة الإصلاح في النظام السياسي للانتقال إلى نظام لا يعتمد الطائفية السياسية. وأكد أن المدخل إلى ذلك يجب أن يكون من خلال قانون الأحوال الشخصية، وهو يدرك أن هذه الدعوة تطيح كل مسار الإصلاح الذي يطرحه، وإنما الهدف منها إثارة المشاعر الطائفية التي تعيد المتظاهرين إلى المربع الطائفي، وتجهض انتفاضتهم.
هذان هما أبرز تحدّيين أمام الانتفاضة اللبنانية بوجه الفساد، فإما أن ينتبه اللبنانيون المنتفضون إليهما لتحقيق إنجازاتٍ إضافيةٍ في معركتهم للتخلص من الفساد والفاسدين أو يتم إجهاض انتفاضتهم، ويدفعون الثمن مكرّراً ومن جديد.