لبنان واللاجئون السوريون: تحوّلات سياسيّة

22 أكتوبر 2014
الصورة
تعترف الحكومة اللبنانية بوجود مليون ومائتي ألف لاجئ(حسين بيضون)
+ الخط -
ارتفعت الأصوات العنصريّة تجاه اللاجئين السوريين في لبنان في الأسابيع الأخيرة. ارتبط الأمر بمعركة عرسال، شرقي لبنان، بين الجيش اللبناني ومسلّحي جبهة النصرة والدولة الإسلاميّة (داعش) في أغسطس/آب الماضي. ثم تزايدت حدّة هذه الخطابات، مع قتل ثلاثة عسكريين لبنانيين، من ضمن مجموعة من العسكريين، الذين اختطفهم المسلحون خلال معارك عرسال.
جاء هذا الخطاب العنصري نتيجة طبيعية لتفاقم أزمة اللاجئين، من دون أن توازيها خطة متكاملة من الحكومة اللبنانيّة لاستيعاب هذا الضغط الهائل للاجئين على مختلف أوجه الحياة في لبنان، من البنى التحتيّة والاقتصاد إلى الأمن والسياسة؛ من دون إغفال أن جزءاً من أسباب هذا الخطاب يرتبط بالشوفينية اللبنانيّة، وبوجود أزمة قائمة بين اللبنانيين والسوريين، نتيجة الاحتلال العسكري السوري للبنان منذ عام 1976 إلى عام 2005.

بدأ تدفّق اللاجئين السوريين إلى لبنان منذ أبريل/نيسان 2011. وحتى ديسمبر/كانون الأول 2012 لم يكن عدد اللاجئين قد وصل بعد إلى مائتي ألف لاجئ، بحسب أرقام مفوضيّة شؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، مما يعني أنّه كان أمام الحكومة أكثر من سنة ونصف سنة لوضع سياسة وطنيّة لملفّ اللاجئين، قبل أن يرتفع هذا العدد ليصل إلى أكثر من مليون ونصف مليون لاجئ، بحسب أرقام غير رسمية، بينما تعترف الحكومة بمليون ومائتي ألف لاجئ.

يُمكن اختصار المشكلة بجملة واحدة، وإن كانت تبسيطيّة. ترفض الحكومة، حتى اليوم، الاعتراف بأن هؤلاء لاجئون، بل تُصرّ على تسميتهم، نازحين. وبحسب مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فإن اتفاقية 1951 حول اللاجئين تُعرف اللاجئ كالتالي: "إنه شخص يوجد خارج بلد جنسيته أو بلد إقامته المعتادة، بسبب خوف، له ما يبرره، من التعرض للاضطهاد بسبب العنصر، أو الدين، أو القومية، أو الانتماء إلى طائفة اجتماعية معينة، أو إلى رأي سياسي، ولا يستطيع بسبب ذلك الخوف، أو لا يريد، أن يستظلّ بحماية ذلك البلد أو العودة إليه خشية التعرّض للاضطهاد". وتُحدد هذه الاتفاقية حقوق اللاجئ بالتالي: "حريّة العقيدة والتنقّل من مكان إلى آخر، والحقّ في الحصول على التعليم، ووثائق السفر، وإتاحة الفرصة للعمل، وحظر الطرد أو الردّ إلى بلد يخشى فيه من التعرض للاضطهاد". وتُشير الاتفاقية إلى ضرورة التزام اللاجئ تجاه الحكومة المضيفة، وعدم مخالفة قوانينها، فيما تُعرّف النازح على أنّه الشخص الذي ينزح من منطقة إلى أخرى داخل بلده.
يرفض لبنان في أدبياته تسمية السوريين لاجئين، بل يعتبرهم نازحين، وفي هذا الأمر رفض لإعطائهم حقوق اللاجئ، خصوصاً الحقّ في وثائق السفر وعدم الردّ إلى بلده، وذلك خوفاً من تكرار تجربة اللاجئين الفلسطينيين، كما يقول سياسيون لبنانيون، أبرزهم نواب ووزراء "التيار الوطني الحر"، الذي يترأسه النائب ميشال عون.

تحولات السياسة الحكوميّة

قد يكون وزير الصحة، وائل أبو فاعور، والذي شغل منصب وزير الشؤون الاجتماعية في الحكومة السابقة، من أكثر الوزراء، الذين عملوا على ملف اللاجئين السوريين. رفع أبو فاعور الصوت عالياً منذ عام 2012. طالب بسياسة حكومية واضحة المعالم؛ لكنّ هذا الأمر لم يحصل. يقول أبو فاعور إنّ اللجنة التي تشكّلت في حكومة الرئيس، نجيب ميقاتي، لإدارة الملف لم تجتمع بكامل أعضائها إلا مرّة واحدة. في تلك الحكومة أيضاً، طلب أبو فاعور مراراً من وزير الخارجيّة حينها، عدنان منصور الطلب من جميع السفارات إيداع الحكومة علماً بالجمعيّات الأهليّة من دولها الراغبة في مساعدة اللاجئين، وهو ما لم تقم به وزارة الخارجيّة.
ويقول موظفون رفيعو المستوى في الإدارة اللبنانيّة لـ"العربي الجديد" إنهم أعدوا دراسات تطال مختلف جوانب ملف اللجوء، واحتمالات تطوّره، وكيفية العمل على تحويله إلى عامل مساعد للاقتصاد اللبناني، لكنهم لم يلقوا آذاناً صاغية من أحد. لا بل علّق أحد الوزراء خلال اجتماع عُرضت فيه واحدة من هذه الدراسات قائلاً للموظف الذي أعدّها: "من كل عقلك قمت بهذا العمل؟ أكنت تتصور أن أحداً سيهتم به؟".

بقي اللجوء ملفاً، تتجاهله السياسة الرسمية اللبنانيّة لأسباب عدّة، أبرزها اعتبار القوى السياسيّة اللبنانيّة الأزمة في سورية وسيلةً لتحقيق مكاسب داخليّة. وبالتالي، فإن نتائج هذه الأزمة ستؤثر في الواقع الداخلي اللبناني. اعتبر فريق 14 آذار، أنّ إسقاط النظام سيُعد ضربةً قاصمة لحزب الله، وأن اللاجئين ورقة ضغط عليه. فأرسل دعماً عسكرياً ومالياً للثوار السوريين، ورفض إقفال الحدود أو أيّ بحث في تنظيم ملف اللاجئين، انطلاقاً من رغبته في فشل حكومة الرئيس السابق، نجيب ميقاتي، في إدارة هذا الملف، لحرق أوراقها أمام اللبنانيين.
في المقابل، رأى حزب الله ولا يزال، أن معركة النظام في سورية هي معركة وجوديّة له، ومن هنا أرسل مقاتليه للقتال في سورية، فيما أراد التيار الوطني الحرّ خوض معركة مسيحيّة من خلال إسقاط اللجوء السوري على اللجوء الفلسطيني، وبالتالي رفض إقامة مخيمات للاجئين "حتى لا يبقوا في لبنان". وفي هذا الإطار، يقول النائب العوني، نبيل نقول،ا لـ"العربي الجديد"، إنّ "التيار الوطني الحرّ رفض إقامة المخيّمات حتى لا يتحوّل النازحون السوريون إلى لاجئين دائمين، على غرار ما حدث مع اللاجئين الفلسطينيين".

في مارس/آذار 2013، استقالت حكومة ميقاتي، وبقي البلد في انتظار تشكيل حكومة الرئيس تمام سلام حتى فبراير/شباط من العام الحالي. خلال نحو أحد عشر شهراً، بقي البلد من دون سلطة تنفيذيّة تتخذ قرارات في مجال إدارة ملف اللاجئين. عندما استقال ميقاتي، لم يكن عدد اللاجئين قد تجاوز أربعمائة ألف لاجئ، بحسب الأمم المتحدة، وفي بداية عام 2014، كان الرقم قد تضاعف ووصل إلى أكثر من 850 ألفاً موزعين على 1600 مدينة وبلدة.

لكن تحوّلاً طرأ على موقفي الفريقين الأبرز في لبنان. تعرضت بيئة حزب الله لسلسلة من التفجيرات الانتحارية، مما دفعه إلى تليين موقفه بخصوص تأليف الحكومة، للوصول إلى تسوية تُعيد بعض الروح للحياة السياسيّة، وتسمح بمواجهة هذه التفجيرات. في المقابل، كانت السعودية تُحضر لإعلان قائمة الإرهاب الخاصة بها، التي ضمت "داعش" و"جبهة النصرة" و"الإخوان المسلمين". وجاء تنازل تيار المستقبل عن موقفه طوال أشهر، بعدم المشاركة مع حزب الله في حكومة واحدة ما دام يُقاتل في سورية، ضمن هذا السياق.

هكذا تشكّلت الحكومة الحالية برئاسة سلام، وتولّى وزيران من تيّار المستقبل حقيبتي الداخلية (نهاد المشنوق) والشؤون الاجتماعية (رشيد درباس)، وهما الوزارتان الأكثر تماساً مع ملف اللاجئين.
اتخذت هذه الحكومة قرارات أساسيّة في ملف اللاجئين؛ إذ أقرت خطة وزارة الداخلية القاضية بمنع دخول المزيد من اللاجئين السوريين، إلا في حالات أمنيّة قصوى، لمنع تزايد عدد اللاجئين. كما قرّرت سحب صفة اللاجئ من الذين يزورون سورية ويعودون إلى لبنان. وأعلن وزير الشؤون الاجتماعية، رشيد درباس، خطةً لإقامة مخيمات للاجئين على الحدود اللبنانية ــ السورية. واليوم، بات دخول السوريين إلى لبنان، يحتاج إلى موعد مع سفارة أجنبيّة أو بطاقة سفر إلى خارج لبنان، وهو الأمر الذي اضطرت سناء، إحدى السوريات، إلى اللجوء إليه، إذ حملت حجوزات سفر وهميّة، سلّمتها للأمن العام، حتى سمح لها بدخول الأراضي اللبنانيّة.



أمّا بالنسبة إلى الفلسطينيين السوريين، فإن الأمر يُعد أكثر من مأساوي. يتعرّض هؤلاء لأبشع أنواع الضغوط. فقد تمّ ترحيل جزء منهم، كما منعت العائلات من لمّ شمل بعضها بعضاً. ويمتنع الأمن العام عن إدخالهم إلى لبنان. وفي حالات رغبتهم في السفر عبر مطار بيروت، يُسمح لهم بالدخول إلى لبنان ساعات قليلة قبل مغادرة الطائرة. كما ألغت الأونروا العديد من المساعدات، التي كانت تقدم لهم، وهو ما دفع العديد منهم إلى العودة إلى سورية، على الرغم من أوضاع المخيمات المأساويّة، ومخيم اليرموك شاهد على ذلك. وقد بلغ عدد هؤلاء في الحد الأقصى 52 ألف لاجئ.

الرعب الديموغرافي.. والعنصريّة

يختلف النقاش حول اللاجئين بين الغرف المغلقة والتصريحات العلنيّة. في التصريحات، تقول قوى سياسيّة مختلفة، أبرزها في فريق الثامن من آذار، إنّ مخيمات اللاجئين تحوّلت إلى "أوكار للإرهابيين"، في إشارة إلى وجود مسلحين وخلايا نائمة لـ"جبهة النصرة" و"داعش" في هذه المخيمات، إضافةً إلى اتهامات بارتفاع عدد السرقات والاعتداءات على اللبنانيين بسبب هؤلاء اللاجئين. لكن في الغرف المغلقة، يُعلن هؤلاء حقيقة موقفهم من اللاجئين. لا ترى شخصيات مؤثرة في التيار الوطني الحرّ، في ملفّ اللجوء إلا "قنبلة ديموغرافية". يقول أحد المسؤولين العونيين: "لقد تجاوز عددهم، عدد سنّة لبنان"، قبل أن يضيف: "كنا نقول دائماً إنّه لا توجد طائفة كبرى في لبنان، بل هو تجمّع لأقليات، أما اليوم بات يُمكن القول إنّ هناك أكثريّة سنيّة مقابل جميع الطوائف والمذاهب".
ويُضاف التوزّع الجغرافي للاجئين على امتداد الخارطة اللبنانية، إذ تُشير إحصائيات مفوضية شؤون اللاجئين، في الأمم المتحدة، إلى وجود أكثر من 435 ألف لاجئ في البقاع، وأكثر من 320 ألفاً في بيروت وجبل لبنان، ونحو 290 ألفاً في شمال لبنان، ونحو 140 ألفاً في جنوب لبنان. ويُقيم 18 في المائة منهم في 1400 مخيم غير رسمي، بحسب وزير الشؤون الاجتماعيّة، رشيد درباس. ويجعل هذا التوزّع المتوجّسين من التوزّع الجغرافي للاجئين، يشعرون بأنّ اللاجئين يسيطرون على الخريطة اللبنانيّة.

لم تمنع اجراءات الحكومة اللبنانيّة، التي لم تصل بعد إلى مستوى الخطّة الوطنيّة القادرة على وضع حلّ شامل لملفّ اللاجئين، تحوّل التعاطي مع هذا الملف إلى الجانب الأمني. بات اللاجئون عرضة للاشتباه الدائم من قبل القوى العسكريّة والأمنيّة الرسميّة وغير الرسميّة. ترى هذه الأجهزة أنّ اللاجئين مسؤولون عن العديد من الحوادث الأمنيّة، "من الإرهاب إلى السرقة".
كما أنّ الحد الأدنى من التوافق السياسي، لإدارة هذا الملف، لم يمنع استمرار التعاطي معه كورقة في السياسة الداخليّة. وعندما تندمج العنصريّة بالرغبة في تحقيق مكاسب سياسيّة ضيقة، يخرج الأمر على شاكلة هذا التصريح، الذي خرج به وزير الخارجية اللبنانية، جبران باسيل، في تموز/يونيو الماضي حين قال إنّ "المستشفيات تسجّل 80 حالة ولادة سورية مقابل 40 ولادة لبنانية"، وإنّ "وزارة التربية أحصت عدد الطلاب السوريين بـ 88 ألفاً مقابل 85 ألف طالب لبناني".

المساهمون