لبنان والدعوة إلى اعتماد الفيدرالية

02 يونيو 2020
الصورة
خلال الحرب الأهلية المشؤومة، وفي منتصف ثمانينيات القرن العشرين، طرح حزب "القوات اللبنانية" الفيدرالية صيغة للحلّ وخروج لبنان من دوّامة الحرب، غير أنّ اتفاق الطائف في عام 1989، برعاية دولية، أنتج صيغة الحلّ التي كرّست نظاماً جديداً في لبنان، قام على أساس طوائفي، بحيث نصّ الدستور في التعديلات التي اعتمدت، بموجب الاتفاق، على المناصفة بين المسيحيين والمسلمين في المجلس النيابي والحكومة ووظائف الفئة الأولى. كما كرّس العرف أن يكون رئيس الجمهورية مسيحياً مارونياً، ورئيس المجلس النيابي شيعياً، ورئيس الحكومة مسلماً سُنّياً. سقطت يومها الدعوة إلى الفيدرالية حلّا للأزمة ومخرجا من الحرب.
اليوم، وفي ظلّ الأزمة المركّبة التي يعيشها لبنان على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وفي ظل ّعدم حصرية السلاح بيد الدولة، وفي ظلّ تورّط جهات لبنانية في صراعات المنطقة ومحاورها، وانقسام الداخل اللبناني بين تلك المحاور، وفي ظلّ الحراك الشعبي الذي انطلق في 17 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي عادت الدعوة إلى اعتماد الفيدرالية من جديد حلّا للأزمات، ومخرجا من الحالة التي يتخبّط بها لبنان.
قيمة اتفاق الطائف وأهميته أنّه أنهى الحرب ووضع حدّاً لها، وأرسى نوعاً من التوازن بين المكوّنات اللبنانية الطائفية، غير أنّ هذا النظام الجديد، في المقلب الآخر، شكّل حارساً للفساد والهدر وعدم المحاسبة تحت عنوان حقوق الطوائف وصلاحياتها، حتى بات كل من يشغل موقعاً إدارياً أو سياسياً في الدولة يمثّل الطائفة التي ينتمي إليها، وبالتالي بات في مأمنٍ من أية محاسبة أـو ملاحقة أو مجرد مساءلة. كما أنّ هذه الصيغة، على علاتها، لم تقنع بعض الطموحين والشرهين إلى الاستئثار بكل السلطة أو باحتكار كل قرار البلد. ولذلك راح بعض هؤلاء يحاول قلب المعادلة لصالح إنتاج معادلة جديدة، تقوم إمّا على ادعاء استعادة الصلاحيات، والمقصود هنا صلاحيات رئيس الجمهورية، وهذه يمثّلها بشكل رئيسي التيار الوطني الحرّ، وهؤلاء يودّون العودة بلبنان إلى ما قبل العام 1975، أي إلى ما قبل الحرب عندما كان رئيس الجمهورية يتمتّع بصلاحياتٍ واسعة تخوّله الحكم من دون أن يُسأل أو 
يحاسب على شيء.
وفي مقابل هؤلاء، هناك من لديه طموح بالخروج عن الصيغة الحالية لصالح إنتاج نظام جديد تكون فيه الغلبة له، على اعتبار أن موازين القوى في البلد، وفي المحيط الجغرافي، قد تغيّرت لصالحه، وقد عبّر عن ذلك أخيرا، وبشكل صريح، المفتي الجعفري الممتاز، الشيخ أحمد قبلان، الذي اعتبر أن صيغة الاستقلال انتهت، وصيغة الطائف فشلت، فلا بدّ من إقامة نظام جديد.
وبالعودة إلى الحديث عن الفيدرالية، برز خلال الأسابيع والأيام الأخيرة توجّه إلى إثارة هذا الموضوع، والتركيز عليه بشكل بارز، فرئيس التيار الوطني الحر، جبران باسيل، دعا بصراحة إلى اعتماد اللامركزية الإدارية الموسّعة، واللامركزية المالية. والحقيقة أنّ اتفاق الطائف أدخل إلى الدستور اللبناني تعديلاً أقرّ بموجبه اللامركزية الإدارية، إلاّ أنّه لم يُطبّق. غير أنّه لم يتطرق بأي شكل إلى اللامركزية المالية ولا السياسية، بل ركّز على وحدة الدولة اللبنانية، سياسياً ومالياً وأمنياً وعسكرياً وجغرافياً.
يدرك الجميع في لبنان أنّ الوزير باسيل طامح لشغل منصب رئاسة الجمهورية بعد انتهاء ولاية عمّه، الرئيس الحالي ميشال عون، وبالتالي قد يكون من مصلحته الحفاظ على وحدة لبنان، غير أنّ المعطيات التي بدأت تتوفر لديه، خصوصا من خلال علاقته بالمكوّنات الأخرى، السياسية والحزبية والطائفية وغيرها، لا تسمح له بالوصول إلى هذا المنصب. ولذلك قد يكون قد ارتأى أنّ من الأفضل له الذهاب نحو نظام فيدرالي يكرّسه زعيماً في الكانتون المسيحي المزعوم. وما من شكّ أنّ ذلك قد لا يتأتّى له، لأنه سيكون له منافسون كثيرون على زعامة هذا الكانتون. وهذا أيضاً يصحّ بالنسبة لغيره من الزعماء الذين يفكّرون بالطريقة ذاتها. كما أنّ قوى أخرى في البلد قد ترى، في هذه المرحلة، أنّ من مصلحتها اللجوء إلى هذا الخيار للاحتماء من أيّة ضربات متوقعة، وخصوصا أنّ بعضها بات يخوض معركة وجود. ترى هذه القوى أنّ كانتونها قائم فعلياً على الأرض، وبالتالي من الأفضل بالنسبة لها خسارة شيء من خسارة كل شيء. وإلى هؤلاء وأولئك، هناك فئات مهمّشة ومنسيّة، بل مهدورة الحقوق، وتشعر بالغبن، هؤلاء قد يكونون على أتمّ الاستعداد للقبول بأيّة صيغةٍ يظنون أنّها تشكّل المخرج من حالة الإحباط واليأس التي تعيشه.
لا يأتي طرح الفدرلة في لبنان في هذه المرحلة من فراغ، التحدّي الأبرز أمام اللبنانيين الحفاظ على وحدة بلدهم، والخروج من الأزمات من خلال بناء دولة مؤسسات لكل اللبنانيين.
تعليق: