لبنان.. لحظة مواجهة الحقيقة

لبنان.. لحظة مواجهة الحقيقة

21 ديسمبر 2019
+ الخط -
بعد مرور أكثر من شهرين على انطلاق انتفاضة 17 تشرين الأول التي شارك فيها أغلب اللبنانيين، وبعد مرور قرابة الشهرين على استقالة حكومة العهد الأولى، برئاسة سعد الحريري، وبعد تأخير للاستشارات النيابية الملزمة وُجّه له نقد كثير، وبعد سقوط أسماء كانت مرشحة لتولي رئاسة الحكومة، عقد رئيس الجمهورية، ميشال عون، الاستشارات النيابية الملزمة وفقاً للدستور، بعد أن أعلن رئيس حكومة تصريف الأعمال، سعد الحريري، عدم رغبته بالترشّح لهذا الموقع.
المفارقة أنّ القوى السياسية التي كانت منضوية في إطار ما كان يُعرف بقوى 8 آذار (حزب الله وحلفاؤه) ظلّت تتمسّك بالحريري رئيساً للحكومة المقبلة، حتى لحظة إعلانه العزوف عن تحمّل المسؤولية، فقرّرت تسمية الوزير السابق حسّان دياب. في مقابل إصرار حزب القوات اللبنانية (حليف الحريري التاريخي) على عدم تسمية أية شخصية للموقع، بينما كثر الحديث عن ترشيح السفير السابق نوّاف سلام، إلا أنّ هذه المفاجأة التي ألقى بها الحريري في الوسط السياسي اللبناني أعادت خلط الأوراق، كما لو أنها أعادت إنتاج الانقسام العمودي الثنائي بين فريقي 8 و14 آذار الذي حصل بعداغتيال رفيق الحريري في العام 2005.
بات لبنان اليوم على مفترق طرق صعبة جداً، فهو يعاني من انقسام سياسي حاد بين القوى السياسية، وهو يشهد انتفاضة شعبية يحلو لبعضهم أن يطلق عليها "ثورة"، وهو يعيش أزمة اقتصادية حادّة وصعبة، خلّفت آزمات اجتماعية وسياسية، وحتى أمنية أحيانا. وهو بحاجة ماسّة 
إلى التمويل من أجل إعادة إنعاش الدورة الاقتصادية بشكل مقبول، يمكن أن يسهم بإخراج البلد من الأزمة. والفاعلون الأساسيون في المشهد الحالي، لا سيما تشكيل الحكومة، هم: القوى السياسية التي تمتلك حضوراً نيابياً في المجلس النيابي، وأية حكومة بحاجة، وفقاً للدستور، إلى ثقة هذه الكتل. والحراك الشعبي الذي لم يملّ ولم يسأم من الحضور في الساحات والمدن والتظاهر أكثر من شهرين، رافعاً مطلب مكافحة الفساد، ووضع حد لكل الوضع القائم، وصولاً إلى المطالبة برحيل الطبقة السياسية. والمجتمع الدولي الذي يعد بضخ الأموال إلى الدورة الاقتصادية اللبنانية في حال تلبية مطالب مقرّرات مؤتمر "سيدر" في باريس حول الإصلاحات الإدارية والقانونية وما يتصل بها.
تعيش هذه القوى المؤثرة والفاعلة اليوم مرحلة من الصراع الذي بات مكشوفاً. فذهاب فريق 8 آذار إلى تسمية حسّان دياب رئيساً للحكومة يعني اختيار المواجهة مع الشارع، ومع المجتمع الدولي، على الرغم من أن الرجل (دياب) يصنّف شخصية مستقلة وأكاديمية، إلا أنه فيما لو تمكّن من تشكيل حكومة، وقد يكون ذلك متاحاً نظرياً، لأن القوى التي تدعمه تمتلك أكثر من نصف مقاعد البرلمان اللبناني، سيواجه صعوباتٍ كبيرة، ولن يتمكّن من حل الأزمة الاقتصادية المعيشية. وعليه، سيواجه على المستوى الداخلي معارضة قوية وحاضرة. كما سيواجه الشارع المنتفض الذي رفض ابتداءً تسميته، قبل أن تتم التسمية في الاستشارات. وسيواجه على المستوى الخارجي الضغط الدولي، خصوصا في ظل المواقف الأوروبية والأميركية المعلنة بضرورة تشكيل حكومة تقنع الشارع المنتفض، وتلبّي طموحاته وتطلعاته.
بعد اليوم ستبدأ في لبنان مرحلة الضغط من زاويتين، كجزء من الصراع غير المعلن بين قوى لها مشاريعها وتطلعاتها في المنطقة. سيكون الضغط الأول عبر الشارع، وهذا قد يقود، في لحظات معينة، إلى الفوضى التي يمكن أن تنزلق بالبلد إلى ما هو أعظم. وسيكون وقع الضغط الثاني أشد، سيكون عبر الورقة الاقتصادية، مع الإشارة، في هذا المجال، إلى أن قيمة الليرة اللبنانية هبطت خلال الشهرين الماضيين بشكل كبير أمام العملات الأجنبية، سيما الدولار، وهو شيء مرشّح إلى مزيد من الهبوط في المرحلة المقبلة، ومعه سيكتوي الناس بنار الأزمة الاقتصادية، حتى تتحوّل انتفاضتهم إلى ثورةٍ تحقق لمن يقف خلفها ما يريد، أو تأخذ لبنان إلى المواجهة المفتوحة على كل الاحتمالات.