لبنان... صورة الزعيم سوطُه

30 ابريل 2020
الصورة
تأكَّدَ أنه في لبنان لا ثابت إلا دوام سيطرة الزعماء فيه، فلا دولة تحكمه بمؤسساتها وتضمن حياة أبنائه، ولا قانون ينظم العلاقات فيه. قبل أيامٍ، أسقط البرلمان اللبناني مشروع "قانون إزالة صور الزعماء والمسؤولين من الأماكن العامة" الذي تقدّمت به إحدى الأعضاء. لا يُفهم من ذلك سوى أن الزعماء الذين يحكمون البلد، الموجودين تحت قبة برلمانه، أو يمثلون فيه زعماء آخرين، يشتَمُّون في أي جزئيةٍ، مهما صغُرَ شأنها، تهديداً لكيانهم وتقليلاً من سطوتهم، فهذه الجزئيات هي أدوات سيطرةٍ يستخدمها الزعماء لإدامة نظامهم الذي هو ليس سوى تحالف زعامات طوائف متنافرة، وبها يسوطون المارقين.
وكانت النائب، بولا يعقوبيان، قد تقدّمت بهذا المشروع، عشية توقيف خمسة فتيان على خلفية إزالتهم يافطة تعود لحزب التيار الوطني الحر، أواخر نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، في منطقة جبل لبنان. وتقدّمت به بعد أن لاحظت غياب تشريعٍ قانونيٍّ ينظِّم تعليق صور الرؤساء والمسؤولين الحكوميين أو الزعماء السياسيين وزعماء الطوائف وغيرهم، ما يفتح الباب واسعاً أمام هؤلاء لنشر صورهم وتجريم من يزيلها بحكم الأمر الواقع الذي تفرضه سطوتهم الدينية أو السياسية أو المناطقية. وينطلق القانون، في أسبابه الموجبة، من حقيقة أن هذه الصور تشوِّه الأماكن العامة، وخصوصاً تلك التي يجب المحافظة على حياديتها، منعاً لها من توفير "ميدانٍ رحبٍ للعصبية والبغضاء والاستفزاز"، أو توفير ميدانٍ رحبٍ لـ"أعمال الشجار والشغب"، حسبما جاء في نص المشروع.
وفي ظلّ أجواء الخوف من انتشار فيروس كورونا، عُقِدت جلسة المجلس في مسرح قصر 
الأونيسكو لإفساح مسافة التباعد بين النواب. كما عُقدت في ظل أجواءٍ سادتها نيات الانتقام من الشعب على ثورته التي رفعت شعار إسقاطه وإسقاط رموزه. وفي حين أقرَّ البرلمان، ببهلوانيةٍ لافتةٍ، قوانين تخدم السلطة، أسقطت الجلسات التي امتدت على مدى يومين؛ 21 و22 إبريل/ نيسان الجاري، اقتراح عددٍ من القوانين، منها مشاريع القوانين التي طالب ثوار ثورة 17 أكتوبر بإقرارها، فقد قُدِّمت للجلسة، بالإضافة إلى مشروع قانون إزالة صور الزعماء، مشروعات قوانين أسقطها المجلس، بحجة إحالتها إلى اللجان المختصة لإشباعها درساً. منها مشروع قانون رفع السرية المصرفية، واقتراح تقصير ولاية مجلس النواب من أجل إجراء انتخاباتٍ مبكِّرةٍ، ثم مشروع القانون المتعلق بمحاكمة الوزراء والرؤساء أمام القضاء العادي، والذي رُفض رفضاً قاطعاً. وبرَّرَ بعض النواب عدم إقرار هذا القانون بأنه سيبقى ناقصاً ما لم يجرِ البدء ببحث موضوع استقلال القضاء، وهو من أكثر المواضيع تعقيداً في لبنان. إذ تحاول كل طائفة من طوائفه وأحزاب سلطته أن يكون لديها نفوذ في القضاء. وبالتالي، يتعذر تحقيق استقلاليته في ظلّ الطائفية السياسية التي تحكم البلاد بالتوافق، فلا مجال، في حال السلطة اللبنانية، لإصلاح القضاء القائم على المحاصصة والاستنسابية، إذ يتطلب تحقيق استقلاليته القضاء على الطائفية السياسية، والقضاءُ عليها لا يتحقق سوى بتغيير النظام، وخلع زعماء الطوائف عن كراسيهم، وتمكين مؤسسات الدولة لتسود مكان الطوائف. وهذا هو الحلم المستحيل الذي ما زال اللبنانيون يتوقون لتحقيقه منذ استقلال بلادهم، حين حكمته صيغة التوافق الطائفي. وهنا تكمن، بالتالي، وبالتحديد، ورطة اللبنانيين، زعماء ومواطنين. ورطة الزعيم الطائفي الذي يعرف أن سلطته قائمة على أساسٍ متَّنه غياب الدولة. وورطة المواطن الذي مكّن غياب الدولة وتوافق زعماء الطوائف فيها منه فأفقره وسلبه القدرة على تغيير حاله.
والورطة هذه استمرأها الزعيم الطائفي، إنها حالة الاستثناء التي لا تتكرس قاعدةً سوى بإحكام قبضته على حاضر أبناء الطائفة ومستقبلهم، وعلى قوانين بلادهم. وليست صورته إلا سبيله لإدامة سلطته وتحكُّمه، تراها متوضِّعة في الجزر التي تتوزع عليها سلطته، حيث يتوزَّع أبناء الطائفة. وتلازم صورته أبناء الطائفة في منطقة الطائفة، وفي شارع الطائفة، وعلى جدران منزل ابن الطائفة. توفرها صحيفة الطائفة، وتلفزيون الطائفة وتتحدث عنها إذاعة الطائفة. يراها أبناء الطائفة المقيمون أينما ولّوا وجوههم، ويحملها أبناء الطائفة المغتربون في قلوبهم، في أثناء غربتهم التي دفعهم إليها إفقار زعيمهم لهم. ولكيلا تفارقه صورة زعيمه، يضعها ابن الطائفة في أي مكان يحلّ فيه. يضعها على محفظة أمواله، لكي يستمد من قدسيتها قدرة مغالبة غربته والشوق لأمه.
لطالما كانت صورة الدكتاتور أداته لإدامة سلطته وتسلطه، إنها عينه التي تراقب أفراد رعيته 
أينما حلوا، إنها سوطه الذين يعيدهم إلى رشدهم إن حادوا عن جادّة حكمه. وإن كانت صورة الديكتاتور العربي تنتشر في كل مناطق بلاده، وحدها دون سواها، لأنه الزعيم الأوحد في البلاد، فإنك في لبنان تجد زعماء كُثراً، وكل زعيم طائفة قد صار دكتاتورها الذي لا تُرفع صورة سوى صورته داخل حدود منطقة الطائفة. يحاول بها أن يسيطر على أبناء الطائفة، وعلى المناطق التي يوجدون فيها وكأنه الحاكم بأمره، لا دولة تردّه ولا مؤسساتٍ تعيق تحكمه بالمنطقة التي يسيطر عليها وعلى حياة أبنائها ومصيرهم.
أما من خرج عن طوع الزعيم، ونفض عنه ثوب الطائفية، فهو منشقٌّ ومارقٌ. ومن خرج في ثورة أحرقت صور الزعيم، فيُدرج اسمه ضمن قوائم العار، أو قوائم الملحقين بالسفارات. وكأن لبنان بلد الممانعة الذي لا تتدخل السفارات في مؤسساته وتشريعاته وتنصيب زعمائه، ففيه السفارات التي لا يداري الزعيم الطائفي أو الحزبي علاقته بها، وبالدولة التي تتبع لها، بقدر ما يتفاخر بذلك، وينفش ريشه ليظهر قوته أمام قوة الزعيم الذي يتبع لسفارة دولةٍ أقلَّ سطوة.
يعرف نواب الأمة اللبنانية وممثلو زعماء طوائفها أن إقرار "قانون إزالة صور الزعماء والمسؤولين من الأماكن العامة" لن يكون سوى استكمالٍ لنهج ثورة 17 أكتوبر التي مزَّق الثوار خلالها صور زعماء طوائفهم وأحزابهم، وأزالوها من قلوبهم، قبل أن يزيلوها عن جدران بيوتهم الفقيرة. وهم بذلك رأوا فيه الخطر الذي يصغر أمامه خطر رفع السرّية المصرفية عن حساباتهم البنكية، أو خطر مساءلة الرؤساء والوزراء في إدمانهم تجويع شعبهم وسرقة حياته.
تعليق: