لبنان.. ذكرى استقلال ولا استقلال

لبنان.. ذكرى استقلال ولا استقلال

27 نوفمبر 2014
الصورة

احتجاج في بيروت على الفراغ الرئاسي والتمديد النيابي (21أكتوبر/2014/أ.ف.ب)

+ الخط -

مرّت الذكرى الواحدة والسبعون لاستقلال لبنان، قبل أيام، من دون احتفالات رسمية، كما كان معهوداً، فلا الجيش نظّم العرض العسكري السنوي الذي كان ينظّمه، ولا القصر الجمهوري احتضن ممثلي الدول العربية والأجنبية والشخصيات السياسية المحلية التي كانت تؤدي واجب التهنئة. والسبب في الحالة الأولى أن الجيش بات مشغولاً في جبهات عديدة، بعدما أقحم في ملفاتٍ لا ناقة له فيها ولا جمل، كما في أحداث واشتباكات عرسال مع المسلحين السوريين المحسوبين على "جبهة النصرة" و"تنظيم الدولة"، أو كما في مطاردة "مخلّين" بالأمن في الداخل اللبناني، على خلفية غض الطرف عن مشاركة حزب الله، بأفراده وعناصره وسلاحه الخفيف والثقيل والمتوسط، في الحرب السورية، وهذا، بالطبع، ما جعل الجيش ينجرّ إلى مستنقع الاستنزاف الذي حال، هذه السنة، دون تنظيم الاحتفال المركزي والعرض العسكري المعهود.
وفي الحالة الثانية مع القصر الجمهوري، مضى أكثر من أربعة أشهر على الفراغ في سدة الرئاسة الأولى، من دون أن يتمكن المجلس النيابي اللبناني من انتخاب رئيس للجمهورية، لعدم اكتمال نصابه، بسبب غياب نواب تكتل التغيير والإصلاح الذي يرأسه النائب ميشال عون، ونواب كتلة حزب الله وحلفاء النظام السوري، عن نحو خمس عشرة جلسة نيابية، دعا إليها رئيس المجلس، نبيه بري، وعلى الرغم من مناشدات بطريرك الموارنة في لبنان بشارة الراعي، وتحذيراته، لانتخاب رئيس للجمهورية، فإن شيئاً لم يتغير، وبقيت الأمور "سائبة"، حتى وصلنا إلى هذه الذكرى التي غاب فيها ممثلو الدول عن الحضور إلى مقر الرئاسة الأولى في قصر بعبدا. الخوف والقلق الآن في لبنان من محاولات تفريغ المؤسسات، وصولاً إلى ما بات يعرف في بيروت بـ"المؤتمر التأسيسي". وقد سبق، قبل أسابيع، التمديد للمجلس النيابي الذي انقضت مدته الدستورية، قبل حوالي عام ونصف العام، وقد مدد لنفسه في حينه، وهو قام بالتمديد مرة أخرى، قبل أسابيع، ما أثار جدلاً سياسياً حول دستورية هذه الخطوة، وبالتالي، إمكانية فتح النقاش والبحث في صلاحية النظام السياسي الحالي، المتعارف عليه بنظام "الطائف"، نسبة إلى الوثيقة التي وقعها النواب اللبنانيون في العام 1989 في مدينة الطائف السعودية.

الآن، الخوف والقلق من المؤتمر التأسيسي الذي رفضه البطريرك الماروني، بشارة الراعي، ومفتي الجمهورية، عبد اللطيف دريان، وقوى سياسية عديدة يكبر. فهناك من يحمّل حزب الله وتيار العماد ميشال عون مسؤولية الوصول إلى هذا الفراغ، من أجل إظهار عدم قدرة النظام السياسي الحالي على تلبية حاجات المرحلة، وبالطبع، كل من زاويته الخاصة. فللعماد عون طموحه الشخصي، في الوصول إلى سدة الرئاسة الأولى، ولا يرى سبيلاً لذلك إلا بتعقيد الموقف ورفع سقف المطالب، لا سيما المطالبة باستعادة صلاحيات رئيس الجمهورية التي أخذت منه في وثيقة "الطائف" لصالح الحكومة مجتمعة. في حين يطمح حزب الله إلى تشريع نفوذه وهيمنته على البلد، بالنص الدستوري، لأنه يدرك أن حماية هذه الهيمنة باحتكار السلاح لن تدوم إلى قيام الساعة. ولذلك، يحاول إحداث تغيير وتعديل في شكل النظام السياسي الحالي، بحيث يثبت تكريس هذه الهيمنة من خلال النص الدستوري، فلا يعود ممكناً العودة عنها بشكل طبيعي وسلس، ومن هنا، بدأ الحديث همساً في صالونات الحزب حول المثالثة، بمعنى توزيع الصلاحيات بين مكونات الشعب اللبناني بشكل ثلاثي، ثلث للشيعة، وثلث لكل المسيحيين، وثلث للسنّة والدروز. وإذا كان الحزب لا يصرح، على المستوى الإعلامي، بهذا الخطاب، إلا أنه يعمل له بشكل حثيث من الممارسة التي لا تخفى على أحد، وتتجلّى في بعض صورها في تعطيل انتخاب رئيس للجمهورية.

أمام هذا المشهد المعقّد الذي لم تنته بعد فصوله، بشكل نهائي، بانتظار ما يمكن أن تتمخّض عنه باقي ملفات المنطقة في سورية والعراق والعلاقة الإيرانية السعودية، والملف النووي الايراني مع دول الغرب، فإن حالة من المراوحة تحكم الحياة السياسية اللبنانية، فيما يزيد الحنق المسيحي جراء ضرب مؤسسات الدولة، بدءاً برئاسة الجمهورية المحسوبة لهم، بموجب "الطائف"، بينما يزيد الإحباط السنّي من هيمنة حزب الله على الدولة، والخروج عليها، كما في المشاركة الفعلية الحقيقية في الحرب السورية، وكما، أيضاً، في استهداف الجيش اللبناني البيئة الحاضنة للثورة السورية، باعتبارها بيئة حاضنة لـ"الإرهاب"، وهو ما يولّد نوعاً من الجنوح نحو مزيد من التطرف والانغلاق الذي قد يتحوّل، في أي يوم، إلى بركان قد ينفجر بوجه الجميع.