لبنان.. حيث الدولة تحتل شعبها

26 نوفمبر 2018
الصورة
+ الخط -
تبدّت في الآونة الأخيرة بضع علائم أثبتت أن لبنان سيبقى ضحية صدماتٍ لا تعرف نهايةً، ما دامت أسبابها تظل قائمةً، لا تحاول حلّها الحكومات المتعاقبة، المتوالدة والمتناسَخَة عن بعضها بطريقة الانقسام الخلوي، بل لا تبدي حتى الرغبة الجدية في ذلك. وللمفارقة، فإن تلك الأسباب، دائماً ما يقول محللون وسياسيون لبنانيون إنها التي أدّت إلى اندلاع الحرب الأهلية التي استمرت طوال الربع الأخير من القرن الماضي. ويبقى الفساد سيد الأسباب التي تؤدّي إلى تأزيم المجتمع اللبناني، والمولّدة عوامل انفجاره. وكانت آخر صوَره فضيحة فيضان المجارير في طرقات العاصمة، عشيّة عيد الاستقلال، ما دفع كثيرين إلى التساؤل عن أي استقلالٍ يتحدّث رموز الدولة، وهم المرتَهنون للخارج، كلٌّ حسب ولائه.
جاء انفجار أنبوب صرف صحي وتدفق مياه المجارير إلى الشوارع، نتيجة الأمطار الغزيرة التي هطلت يوم 16 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، وتحوُّل شوارع في العاصمة إلى مجارير، ليجعل اللبنانيين يتفكَّرون مرة أخرى بهوية دولتهم وحكوماتها. واكتُشِفَ أن أسباب ذلك الانفجار هو سد أصحاب إحدى المنشآت السياحية البحرية فتحة تفريغ أنبوب الصرف على شاطئ الرملة البيضاء قرب المنشأة بأطنانٍ من البيتون، منعاً لتدفق محتوياتها إلى مياه البحر وازعاج شاغلي المنشأة. وتلك مخالفة جرى تحميل مسؤوليتها إلى بلدية بيروت التي تبيّن أن نقابة المهندسين حذّرتها من العواقب المترتبة. لكن الفساد الضارب في أجهزة الدولة، والذي أدى إلى بناء تلك المنشأة المخالفة على أملاك الدولة، واستكمل فصوله بسد منفذ أنبوب الصرف الصحي، هو المسؤول عن هذه المشكلة، وأغلب مشكلات البلاد.
ونتيجة تزامن هذه الحادثة مع احتفال البلاد بعيد الاستقلال، خرجت دعواتٌ تطالب باستقلال الشعب عن مسؤوليه، وعن دولته التي استنتج كثيرون أنها تحتله، فليست ممارساتها أقل مما كان يمارسه المحتل الفرنسي من استغلال وقمع وتجويع، إضافة إلى تأزيم اجتماعي، عادةً ما تنتج عنه مماحكات طرفية، طائفية بالغالب، تشتّت اهتمام أبناء الشعب عن الأسباب الحقيقية لمشكلاتهم. ويأتي هذا كله مع الأزمة الحكومية التي عنوانها الفشل في تشكيل الرئيس المكلف، سعد الحريري، الحكومة، على الرغم من مضي ستة أشهر على استلامه كتاب التكليف من الرئيس ميشال عون. وخلال هذه الفترة، ازدادت أوضاع المواطنين سوءاً، كرّسته حالة الشلل في الإدارات. وهذا ما أدى إلى تعزيز حقيقة أن لبنان أصبح، في الواقع، دولة محاصصات سياسية ومذهبية، تهيمن رموزها على مؤسسات الدولة، وتديرها تبعاً لتوجيه الزعماء السياسيين أو الطائفيين، وتقوم مقام الدولة.

كان مقدَّراً أن تقع الطبقة السياسية في الأيام الأخيرة في أزمةٍ جديدةٍ تتعلق بالتمثيل الحكومي، تزيد من أزمة التشكيل، بعدما جرى طرح مَذْهَبة بعض التمثيل، والذي يعد انعكاساً لمَذْهَبة البلاد والحياة السياسية فيها. وعلى عكس الوزن الانتخابي الذي يفرض نسب تمثيل القوى في الحكومات، خرج حزب الله بضرورة تمثيل ستة نواب سُنّة في الحكومة، من خارج تيار المستقبل التابع للحريري، أي من قوى "8 آذار"، المواجه لقوى "14 آذار". للأسماء المطروح (السُّنّة) تاريخ يشهد لهم بأنفتهم عن التعاطي الطائفي في العمل السياسي، حيث أنهم معروفون بانتمائهم القومي والعروبي الذي يترفَّع عن الانتماء الطائفي. وبينما حاذر النائب الصيداوي، أسامة سعد، الانجرار باتجاه هذه السقطة المذهبية، وهو المعروف بإعلاء هويته الوطنية على الهوية الطائفية، لم يخرج عن الآخرين ما يشبه موقفه. وهذا ما يثبت أنه لا يمكن لأحد الفَكاك من التلوث الطائفي والمذهبي، إذا أراد ممارسة العمل السياسي في لبنان، والحصول على حصةٍ في مجلس النواب أو الحكومة. ونتيجةً، سيزيد هذا المزاج من تأزيم الحالة اللبنانية، ويجعلها أكثر فأكثر أسيرة الانقسام الطائفي، حيث الاستقواء بالطائفة سبيلٌ لتعبيد الطريق نحو الفوز بقطعة من البلد الذي تتناهشه زعاماته الطائفية.
من هذا المنطلق، خرجت الدعوات إلى تنظيم مظاهرة في العاصمة ضد هذه الطبقة السياسية، تحت شعار "استقلالنا عن استغلالكم"، بالتزامن مع احتفالات أقطاب السلطة بمناسبة 22 نوفمبر/ تشرين الثاني. وتعيد هذه الاحتجاجات التذكير بحركة "طلعت ريحتكم" التي كان لها صولة وجولة في صيف سنة 2015، حيث أجبرت الاحتجاجات التي نظَّمتها الزعماءَ السياسيين على تحسُّس رقابهم، فسارعوا إلى عقد ما سميت "طاولة الحوار الوطني"، من أجل تشخيص مشكلات البلاد وحلّها. ولكن، تبين أنها لم تكن سوى للتفاهم على أفضل صيغةٍ لقمع هذا التحرّك، وهو ما شهدته ساحات التظاهر من قمعٍ واعتقالاتٍ لرموز التحرك. ولا يعوِّل منظمو هذه التظاهرة كثيراً على التحرّك الحالي، لكنهم يقولون إن نضالهم سيكون تراكمياً، هدفه إعادة الأمل للمواطنين بعدم أبدية فقدانهم العيش الكريم في وطنهم، وهو لا يتحقق إلا باستعادة المواطن الثقة بنفسه لمواجهة استغلال هذه السلطة وارتهانها للخارج.
مع كل استحقاقٍ سياسي أو انتخابي في لبنان، يتأكّد أن الطبقة السياسية لا تأتي بشيء سوى
أنها تعيد إنتاج نفسها. الآن، ومع محاولات فرض التمثُّل في الحكومة على رموزٍ كانت أبعد ما تكون عن استمراء الطائفية، يتبيّن أن هذه الطبقة تريد إعادة إنتاج الطائفية بتكريس التمذهب على من طالما اعتبروا أنفسهم عابرين للطوائف. وفي هذا إعادة إنتاج للفشل الذي أدخلت الزعامات الطائفية الدولة في نفقه، وهي الزعامات والقوى التي دائماً ما كانت العصا الغليظة في وجه أي مشروع وطني هدفه إلغاء الطائفية من الدستور.
مهما يكن من أمر التحرّك الحالي، يظهر أن المواطن اللبناني مكبَّل الأيادي، غير قادر على الاحتجاج على طبقةٍ سياسية تستغله، فكيف به يغيُّرها وهو من ينتقدها في نهارٍ، ويعود لينتخب رموزها لتمثيله في مجلس النواب، في نهار آخر. طبقةٌ لعبت على تكريس الطائفية ليسهل على رموزها، زعماء الطوائف، سلب إرادته وتوجيهه الوجهة التي تريد. كل ما يمكن أن يطمح إليه هذا المواطن وجود دولة ذات مؤسسات مستقلة، تكون بديلاً عن دويلات زعماء الطوائف وإماراتهم. حين يصبح حلمه هذا حقيقة، يمكن له أن يفكر بإصلاح هذه الدولة حتى تحقق آماله ومصالحه.