لبنان المستحيل

15 ديسمبر 2019
الصورة
يحرقون كتاب التربية الوطنية (حسين بيضون)
+ الخط -
لا يطالب اللبنانيون المشاركون في الحراك الشعبي الثوري، بعد مرور شهرين تقريباً على انطلاقه، بمطلب مستحيل. هم يطالبون فقط بحكومة تكنوقراط، أقنعوا أنفسهم بأنّها ستنتشل بلدهم من كلّ فساده. مع ذلك، لم يتمكنوا بعد من الوصول إلى هذا الهدف الذي لا يعبّر أساساً إلّا عن تضاؤل طموحاتهم وطموحات حراكهم.

التغيير هو المسألة الخطيرة. لكن، قبل الخوض في آلياته لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الهدف الأسمى الذي يمرّ على هامش الخطابات السياسية منذ أمد بعيد، ويعبر من خلال الدستور اللبناني، ووثيقة الطائف، هو بناء الدولة المدنية الديمقراطية التي يتمتع مواطنوها بالمساواة وتكافؤ الفرص على أساس المواطنة لا المذهب. لكنّ هذا التغيير المنشود لا بدّ سيصطدم بالبنية التقليدية الحاكمة، بثالوثها المقدس؛ رجال السياسة، من إقطاع قديم وحديث، ورجال الدين بمؤسساتهم المذهبية ومحاكمهم الشرعية والروحية، ثم المصارف ورجال الأعمال من أصحاب الوكالات الحصرية والتلزيمات. هذا الثالوث متآلف ومنسجم، وكلّ طرف فيه يوفر مصالحه ويسهّل مصالح الطرف الآخر، وحتى حين تنقطع الصلات على المستوى السياسي- أو يوهمون الناس بذلك- فحبلا الدين والمال موصولان أبداً بينهم. وفي الوقت عينه، تحظى هذه البنية التقليدية برعاية خارجية، وتصل إلى من تريد الوصول إليهم فيها، مهما تضاربت المصالح الخارجية أحياناً وانعكست على الداخل.

هكذا، تبدو كلّ محاولة لاختراق البنية التقليدية واهية جداً، لكن لا بدّ من تحديد الهدف باتجاهها بالذات. فكلّ تحرك أدنى من هذا الهدف مصيره الفشل، مهما كان خطيراً، إذ يتيح لتلك البنية بما تملك من عناصر قوة أن تعزز حصانتها، وتجدد نفسها، من دون أن تضطر لأيّ تراجع، إلّا إذا كان تراجعاً مرحلياً فحسب.

في لبنان تسميات كثيرة جداً لعناصر الهيكلية الإدارية، فهناك رئاسات، ومجالس، ووزارات، ونيابات، وهيئات، ولجان، وصناديق، وإدارات، ودوائر، وغرف، وفروع، وأجهزة، وشعب، وربما غيرها. هي تسميات كثيرة ينظر إليها أيّ مراقب محايد بإعجاب، فيعتبر لبنان بلداً متقدماً على المستوى الإداري، لكن، ماذا لو كنّا نملك الهيكلية فقط من دون تفعيل حقيقي؟ والأخطر، ماذا لو جرى التفعيل لكن بكثير من الفساد؟




السؤالان من نوع تجاهل العارف، فهما يحملان الإجابة في صميمهما، وهي أنّ الواقع مختلف جداً عن الشكل الخارجي، إذ يضرب الفساد جميع أركان تلك الهيكلية، بمختلف مؤسساتها المدنية والقضائية والعسكرية، إذ إنّ أوصال البنية التقليدية تتدخل في عمل المؤسسات، وتحدد هي نفسها الواجب والمرفوض، مهما كان القرار صغيراً أو كبيراً. وضدّ هذه البنية بالذات لا بدّ من توجيه بوصلة الحراك الشعبي الثوري، و"كِثر الدقّ يفكّ اللِحام" على ما يقول المثل.

دلالات

المساهمون