لبنان: القضاء العسكري أمام محكمة الرأي العام

15 مايو 2015
الصورة
خلال مداهمة منزل سماحة عام 2012 (أنور عمرو/فرانس برس)

صدر الحكم المخفف على الوزير اللبناني السابق ميشال سماحة، ليُعيد طرح مسألة الثقة بين جزء كبير من الجمهور اللبناني، والقضاء في لبنان. وهي المسألة التي برزت بقوة سابقاً في مطالبة جزء من اللبنانيين بمحاكمة قتلة رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري أمام القضاء الدولي.

فسماحة وهو مستشار رئيس النظام السوري بشار الأسد أيضاً، اعترف في شرائط فيديو سُرّبت لوسائل إعلام لبنانيّة، بأنه نقل كمية من العبوات من أحجام مختلفة، وسلّمها لمخبر فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي ميلاد كفوري. والأهم أن سماحة قال في نهاية الشريط، أنه سيُحضر كميات أخرى من المتفجرات في زيارته التالية إلى سورية.

وقد سبق أن سرّب فرع المعلومات تسجيلات صوتية لوسائل إعلام لبنانيّة في العام 2012، يقول فيها سماحة إنه لا يُمانع مقتل نواب ورجال دين وسياسيين ومعارضين للنظام السوري فيما لو أن شاركوا في الإفطارات الرمضانية التي طلب من كفوري استهدافها.

لكن الحكم الذي صدر على سماحة اقتصر على السجن لأربع سنوات ونصف السنة (السنة السجنية 9 أشهر)، رأى فيه فريق 14 آذار "مهزلة" على حد وصف وزير العدل أشرف ريفي، فيما اعتبر رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط "تشريعاً للاغتيال والتفجير". وانطلق هذا الفريق من الحكم للهجوم على المحكمة العسكرية الدائمة، والمطالبة بتعديل القوانين الناظمة لعملها وحصرها بالقضايا الخاصة بين العسكريين، وأعلن ريفي نيته التحضير لمشروع قانون بهذا الخصوص. ويحتاج هذا المشروع ليُصبح قانوناً، موافقة الحكومة ومجلس النواب وهو أمر صعب حالياً. وقد ترجم تيار المستقبل هذا الموقف من المحكمة العسكرية بالتحرك أمامها شعبياً، وأبلغت مصادر في التيار "العربي الجديد" أن رئيس التيار النائب سعد الحريري أرسل من موسكو مطالباً بالتصعيد شعبياً وسياسياً ضد المحكمة العسكرية، وهو ما بدأ بعد ساعات من صدور الحكم على سماحة، وقبل وصول طلب الحريري، خصوصاً من أهالي الموقوفين الإسلاميين. في حين اعتبر منسق الأمانة العامة لقوى 14 آذار فارس سعيد أنه "ثمة انطباع أن المحكمة العسكرية باتت بيد أطراف حزبية معينة"، في إشارةً إلى حزب الله.

وقد أبلغ ريفي "العربي الجديد" أن التحرك لمواجهة القرار سيكون على مستويين، الأول فوري، "عبر تمييز الحكم، كما أنني سأتقدم بطلب لمجلس الوزراء بإحالة الملف إلى المجلس العدلي". أما المستوى الثاني، فسيكون على المدى المتوسط، إذ سيعمل ريفي على تعديل قانون المحكمة العسكرية، بهدف حصرها بالقضايا الخاصّة بالعسكريين. كما قال ريفي إن هذا المشروع يقضي بإنشاء محاكم "متخصصة بدل الخاصة تتألف من قضاة في كلّ غرفها".

وهنا، أشار ريفي إلى عدد من قضاة المحكمة العسكرية هم ضباط لا يملكون شهادة في الحقوق، ومنهم القاضي الذي أصدر الحكم بحق سماحة.

تاريخ من التسويات

اللافت في ملف سماحة، أنه قبل صدوره، أبلغ مقربون من فريق 8 آذار "العربي الجديد" أن الحكم عليه لن يكون قاسياً، بل قريباً من المدة التي قضاها في السجن، وهو ما حصل. وقد ربطوا الأمر بتسوية صاغها سماحة مع جهات سياسيّة لبنانيّة ودوليّة، واتهموه بأنه ورّط اللواء السوري علي المملوك بالملف.

وهذه ليست المرة الأولى التي تُتهم فيها المحكمة العسكرية بأنها مكان لحياكة التسويات، أو "لتأجيل الملفات لسنوات طويلة وإبقاء الموقوفين في السجن، كما يحصل في ملف الموقوفين الإسلاميين" كما يقول مصدر حقوقي لـ"العربي الجديد".

وفي موضوع التسويات، فإن ملف عملاء إسرائيل، بعد عام 2000، يُعد الأبرز، إذ أصدرت المحكمة أحكاماً تراوحت بين الأشهر وعدد قليل من سنوات السجن، في ملف تشابكت فيه المصالح السياسيّة والطائفيّة والمناطقية.

ثم جاء ملف محاكمة عضو حزب الله مصطفى المقدم، الذي قتل الضابط في الجيش اللبناني سامر حنا، من خلال إطلاق النار على طوافته العسكرية، إذ حاكمته المحكمة العسكرية بـ"القتل عن غير قصد بسلاح حربي غير مرخص"، وتم إطلاق سراحه بعد تسعة أشهر بكفالة مالية، ثم قتل خلال معارك حزب الله في سورية.

أمّا الفضيحة الأبرز، فهي ملف العميل فايز كرم، وهو ضابط سابق في الجيش اللبناني، وأحد أبرز المقربين من رئيس التيار الوطني الحرّ النائب ميشال عون، ومرشّح سابق للنيابة، حُكم عليه بالسجن سنتين بعد إدانته بالتعامل مع إسرائيل.

في مقابل هذه الحالات، لا يزال مئات الموقوفين الإسلاميين، في السجن منذ 2007، من دون محاكمات. وقد أطلق سراح بعضهم من دون محاكمة، لأن أقصى حكم سيصدر بحقهم ستكون مدته أقلّ من مدة محكوميتهم. ويتقاطع هذا الأمر، مع توقيف عشرات الشبان بعد عودتهم من سورية حيث يُشاركون بالقتال إلى جانب المجموعات المسلحة، وإحالتهم إلى المحكمة، بينما لا تتم محاكمة أو مساءلة حزب أو مقاتليه الذي يُشاركون بالآلاف في المعارك في سورية.


إقرأ أيضاً: الصندوق الأسود لقضية ميشال سماحة 

قلق الأمم المتحدة

في أبريل/نيسان من العام 1997، أصدرت "لجنة حقوق الانسان" التابعة للأمم المتحدة تقريراً بعنوان "ملاحظات ختامية" ورد فيه فقرة تتعلق بالقضاء العسكري اللبناني جاء فيها: "تبدي اللجنة قلقاً حيال الصلاحية الواسعة التي تتمتع بها المحاكم العسكرية في لبنان، خاصة وأنها تتجاوز حدود المسائل التأديبية لتطال المدنيين".

كما أشار التقرير إلى عدم وجود رقابة من المحاكم العادية على أعمال وأحكام المحكمة العسكرية. وطالب التقرير الحكومة اللبناني بإعادة النظر في صلاحيات المحاكم الخاصة، ونقلها إلى "المحاكم المدنية في جميع المحاكمات التي تتعلق بالمدنيين أو بحالات انتهاك حقوق الانسان التي يقترفها العسكريون".

ويشرح مقرر لجنة حقوق الانسان النيابية النائب غسان مخيبر على موقعه هذا التقرير بالقول: "القضاء العسكري في لبنان يحفظ صلاحيته في مجموعة كبيرة من الحالات للتحقيق مع مدنيين ومحاكمتهم، وإن مثل هذه الصلاحية الواسعة، أكان مصدرها في القانون أو في الممارسة، لا تتفق مع المعايير والضمانات المعتبرة في الدول الديمقراطية، لأن المحاكم العسكرية ينبغي أن تتسم دائماً بطابع القضاء الاستثنائي الخاص وألا تطال المدنيين". ويُضيف مخيبر أن ما يزيد القلق "حيال الصلاحية الواسعة للقضاء العسكري، كون هذا القضاء يتألف من عدد من الهيئات والأجهزة المختلفة التي تتكون من أقلية قضاة عدليين ومن أكثرية عسكريين، يجري تعيين العسكريين منهم ومناقلتهم وفق شروط وأصول لا تتوافق والمعايير التي تضمن حياد واستقلال القضاء"، ويلفت إلى أن تعيين الضباط العسكريين الداخلين ضمن ملاك القضاء العسكري يجريه وزير الدفاع بقرار مبني على اقتراح السلطة العسكرية العليا، وذلك لفترة سنة واحدة.

إقرأ أيضاً: ميشال سماحة... صبي البعث البار