لبنان العصيّ على الإصلاح

03 اغسطس 2020
الصورة

تشير كل المعطيات التي مرَّ بها لبنان، على مدى تاريخه الحديث، إلى أنه يعيش أزماتٍ مزمنة، لا تفعل قياداته المتوالية على حكمه سوى تدوير زواياها وتفسيرها بدلاً من حلها، ومن ثم توريثها لمن يليها. ولا يخلو خطاب مسؤول لبناني، من السلطات الثلاث، من الكلام عن ضرورة الإصلاح والتحذير من الانهيار. لكنه حين يصبح في مواجهة أي استحقاقٍ وطني، نراه يدافع مستميتاً عن نظام المحاصصة الطائفية، مكرّساً الفساد أسلوب إدارةٍ للحصول على المنافع، مُدخِلاً البلاد في مرحلة العجز عن تحقيق الإصلاح.
ومناسبة هذا الكلام واقعتان لم يُعرهما مسؤولو البلاد أي اهتمام. أولاهما، ما ذكرته صحيفة الغارديان البريطانية، في 4 الشهر الماضي (يوليو/ تموز)، أن الانهيار الاقتصادي الذي يعيشه لبنان بدأ يتسارع بسبب امتناع الطبقة السياسية عن إطلاق خطة إنقاذ اقتصادي بعيداً عن المحسوبيات، لأن خطةً من هذا القبيل سيكون لها التأثير السلبي بمصالح هذه الطبقة. الواقعة الثانية زيارة وزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لودريان، بيروت، في 23 الشهر الماضي (يوليو/ تموز)، وعودته إلى بلاده مُحبَطاً، حسبما ظهر من تصريحه بأن "لبنان بات على حافّة الهاوية". وإضافة إلى الإحباط، عبَّر عن خيبة أمله من الطبقة السياسية، وامتناعها عن إجراء إصلاح يوقف الانهيار، حين قال: "أكثر ما يذهلنا هو عدم استجابة سلطات هذا البلد للأزمة الراهنة"، في ظل الحاجة لاتخاذها أفعالاً ملموسة طال انتظارها.
جاء مقال "الغارديان" بمناسبة تعليق المحادثات بين مسؤولي صندوق النقد الدولي والمسؤولين اللبنانيين، حسبما أعلن وزير المالية اللبناني، غازي وزني، في 3 يوليو/ تموز. وكانت المحادثات قد انطلقت، في مايو/ أيار الماضي، بغية دراسة إمكانية منح لبنان قرضاً بقيمة خمسة مليارات دولار، من أجل تفادي الانهيار الاقتصادي ومواجهة مضاعفات جائحة كورونا على المواطنين واقتصاد البلاد. وكان انطباع صندوق النقد أن لا إصلاح في لبنان من دون تغيير نظام المحسوبية الحاكم منذ انتهاء الحرب الأهلية. ونقلت الصحيفة عن دبلوماسي أوروبي تعليقه على المحادثات، وعلى عدم جدية أقطاب النظام في تنفيذ إصلاحات مطلوبة لمنح القرض: "كنا نتوسّل إليهم لكي يتصرفوا كدولة طبيعية، لكنهم يتصرّفون كما لو أنهم يبيعوننا سجادةً".
بعد أيامٍ من اندلاع انتفاضة 17 أكتوبر (2019)، التي خرجت فيها معظم فئات الشعب اللبناني، سارعت الحكومة إلى اتخاذ قرارات سُمِّيت "التدابير الإصلاحية والاقتصادية المالية". لكنّ هذه التدابير لم تمسّ هيكل النظام اللبناني، أو تُشر إلى ضرورة إحداث إصلاح جذري يغيِّر من طبيعة السلطة السياسية وعلاقاتها أو يظهر لديها أي نية بتنفيذ مطالب الجماهير التي رفعت شعار إسقاطها، ولم تطالبها بإجراء إصلاحاتٍ عرفت أنها عاجزة عنها، وثبت أنها ستكون حفَّارة قبرها بيدها إن نفذتها. وعلى الرغم من أن قسماً آخر من المنتفضين، طالبوا الحكومة بإجراء إصلاحات، إلا أن الإصلاحات التي طالبوا بها تختلف عن التي طالب بها صندوق النقد الدولي، أو حتى مؤتمرات سيدر للمانحين الدوليين التي عقدت في فرنسا في العامين الماضيين.

صندوق النقد يرى أن لا إصلاح في لبنان من دون تغيير نظام المحسوبية الحاكم منذ انتهاء الحرب الأهلية

تحدّدت مطالب المنتفضين بإعادة أموال الشعب المنهوبة عبر قطاع المصارف وعبر التلزيمات في مختلف القطاعات، أهمها قطاع الكهرباء. كذلك إجراء انتخابات نيابية على أساس لبنان دائرة واحدة ومن خارج القيد الطائفي، من أجل منع النظام اللبناني من إعادة توليد نفسه بعد كل استحقاق تشريعي، لأن نتائج الانتخابات، وفق الإجراءات التي يطالب المنتفضون بتنفيذها، ستؤدّي إلى إحداث تغيير في تركيبة هذا النظام، وتضعضع أركان قوته. وطالب المنتفضون بإصلاح التعليم العام عبر دعم المدرسة الرسمية والجامعة الرسمية وتأمين التعليم المجاني والطبابة لكل فئات الشعب اللبناني.
ومع أن صندوق النقد طالب بإصلاحاتٍ تدور في فلك إصلاحات "سيدر"، من حيث محاربة الفساد وتقليل الإنفاق العام والهدر وزيادة التكليف الضريبي، إلا أن المنتفضين طالبوا الدولة بالتوقف عن الاقتراض، لأنه يصبّ في مصلحة الطبقة الحاكمة. ويرى هؤلاء أن الأموال التي ستوفرها القروض ستجد طريقها إلى جيوب رموز هذه الطبقة، عبر مشاريع وهمية، كما حصل مع أموال القروض السابقة التي تراكمت على اللبنانيين، وأوقعت البلاد في عجز مالي وصل إلى حدود مائة مليار دولار، من دون أن تنعكس نفعاً على أبناء الشعب اللبناني، أو قطاعاته الأساسية، ومنها قطاع الكهرباء الذي أصبح ثقباً أسود ابتلع 40 مليار دولار، هي قيمة العجز الذي يعانيه، ومع ذلك يرزح لبنان هذه الأيام تحت ثقل عتمةٍ لم يشهدها منذ سنوات طويلة سببها انقطاع الكهرباء نحو 20 ساعة في اليوم.

طالب المنتفضون بإصلاح التعليم العام عبر دعم المدرسة الرسمية والجامعة الرسمية وتأمين التعليم المجاني والطبابة لكل فئات الشعب

ونتيجة تبخُّر أموال القروض التي لم تدخل في دورة التنمية، ولم تنتفع منها خزينة الدولة، قرّر لبنان، في مارس/ آذار الماضي، التوقف عن سداد مستحقات سندات اليوروبوندز بسبب عجزه عن فعل ذلك، وهو ما ساهم في تصنيفه دولة فاشلة. طبعاً، لا يأبه رموز النظام لأمر هذا التصنيف، ما داموا قادرين حتى على المتاجرة بآلام المواطنين، وقادرين على النفاذ إلى ودائع البسطاء في المصارف، وسلبهم إياها وتحويلها إلى حساباتهم في الخارج.
الآن، مع تحذير منظمة "أنقذوا الأطفال" البريطانية غير الحكومية، في 29 يوليو/ تموز الماضي، من أن أكثر من نصف مليون طفل في لبنان أصبحوا مهدَّدين بالجوع، بسبب فقدان مليون نسمة في بيروت المال الكافي لتأمين الطعام، يصل لبنان إلى شفير هاويةٍ غير محسوبة النتائج. ومع ذلك، لا يزال المسؤولون اللبنانيون يتحدّثون عن أسباب هذا الانهيار، وكأن الأمر ضبابي يحتاج سبراً كثيراً. فقبل أيام، لفتَ رئيس الجمهورية، ميشال عون، في كلمةٍ بمناسبة عيد الجيش، إلى حربٍ من نوع آخر تخوضها البلاد ضد أعداء حدّد الفساد واحداً منهم، إذ قال: "العدو الأول هو الفساد، وهو يقاوم بشراسة، ولكن الخطوات نحو استئصاله تسير وإن كان ببطء، ولكن بثبات". وعلى الرغم من أن الانتفاضة المستمرة، بشكل أو بآخر، منذ 17 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، أشارت إلى الفاسدين بالأسماء ووضعت خريطة طريق لمحاسبتهم وتخليص البلاد منهم واسترجاع الأموال التي نهبوها، إلا أن رموز النظام صمّوا آذانهم واستمرّوا يتحدثون عن الإصلاح، من دون أن يُقدِموا على وضع خطواتٍ لتنفيذه، حتى لو كانت خطواتهم بطيئة.

"أنقذوا الأطفال" البريطانية: أكثر من نصف مليون طفل في لبنان أصبحوا مهدَّدين بالجوع

في ظل هذا الواقع، يثبت رموز الطبقة الحاكمة للبنانيين أكثر فأكثر أن لا حل إلا في تفكيك منظومة الحكم القائم، وتفكيك دويلات الطوائف التي تحكم البلاد، وتتحاصص خيراتها وفقراء أبنائها. ومع عدم القدرة على تنفيذ حلٍّ من هذا القبيل، ستبقى البلاد أسيرة جمودٍ كلما طال، طالت معه الأزمة، وكان حلها شديد الألم.