لبنان: السير على حافّة الهاوية

25 يونيو 2020
الصورة
في حمأة الأزمة المالية الخانقة التي يعانيها لبنان، والتدني غير المسبوق في قيمة العملة المحلية، خصوصاً مع بدء تطبيق قانون قيصر على سورية، ثمّة سؤال يقضّ مضاجع اللبنانيين: هل من الممكن أن ينفذ الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، التهديدات التي أطلقها في خطابه أخيرا، ويهاجم إسرائيل التي يتهمها بالتواطؤ مع الإدارة الأميركية على خنق الشعبين، اللبناني والسوري، بالعقوبات الاقتصادية؟ أو هل من الممكن في هذه الفترة الشديدة الخطورة أن تعمد إيران إلى الرد على الهجمات الجوية التي يقوم بها سلاح الجو الإسرائيلي على أهداف عسكرية إيرانية في سورية، وكان جديدها الهجمات التي استهدفت، مساء الأربعاء، ريف السويداء ودير الزور، وأن يؤدي ذلك إلى تصعيد مع حزب الله أيضاَ؟
لا يستبعد أكثر من خبير ومراقب إسرائيلي احتمال لجوء الحزب إلى التصعيد ضد إسرائيل، على الرغم من الوضع الاقتصادي الخانق في لبنان، في محاولة لصرف الأنظار عما يجري في الداخل نحو إسرائيل. هذا هو رأي الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلي عاموس يدلين، الذي لم يستبعد ذلك بدفع من المأزق الداخلي في لبنان. وهذا رأي الخبير في مركز هرتسليا المتعدد المجالات أودي أفينطال، الذي قال إن حزب الله قد يلجأ إلى خيار المواجهة مع إسرائيل إذا شعر بأنه أصبح محشوراً في الزاوية. ورأى فينطال، في الأزمة المالية الحالية في لبنان، والمفاوضات مع صندوق النقد الدولي، "مناسبة" لاشتراط تقديم المساعدة المالية الدولية بفرض قيود على حزب الله.
وإلى هذا، فإن إثارة جهات غربية موضوع توسيع مهمات قوة الأمم المتحدة في الجنوب اللبناني (يونيفيل)، بحيث تشمل مناطق أوسع، قبيل موعد التجديد لها في أغسطس/ آب المقبل، هو إلى حد ما ثمرة مساع طويلة بذلتها إسرائيل منذ سنوات من أجل هذا الغرض. ولكن اللبنانيين اعتادوا
 على سماع التضخيمات والمبالغات الإسرائيلية للمخاطر والتهديدات من حزب الله، خدمة لأغراض داخلية إسرائيلية. وهذا ما دأبت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية على القيام به، من أجل الدفاع عن زيادة ميزانياتها الأمنية، أو للمحافظة على جهوزية الجيش الإسرائيلي. كما أن من المعهود تضخيم الإسرائيليين مخاطر رد إيراني على اعتداءاتهم في سورية، بغرض إعادة التذكير بالخطر الإيراني والتحريض على إيران. ويؤدي ذلك كله إلى استنتاج أن الحديث الإسرائيلي عن تصعيد قريب مع حزب الله يدخل في دائرة التهويل والحرب النفسية ضد اللبنانيين. ما تعمل عليه إسرائيل حالياً هو استغلال الانهيار المالي في لبنان، والصعوبات الجمة والمتزايدة التي يواجهها للحصول على مساعدات دولية، وتداعيات قانون قيصر من أجل تشديد الخناق على حزب الله دولياً، وتأليب الرأي العام اللبناني ضده داخلياً.
ما يشهده لبنان حالياً هو كباش بين محور إيران - حزب الله - سورية ومحور الولايات المتحدة وحلفائها التي تشن حرباً اقتصادية مالية، من أبرز تجلياتها الارتفاع الجنوني في سعر صرف الدولار، والتدهور المستمر في قيمة العملة المحلية. وما يفاقم وطأة هذه الحرب العجز الكامل للحكومة اللبنانية عن لجم التدهور واتخاذ خطوات عملية فعّالة، والإسراع في تنفيذ خطة الإصلاحات التي يطالب بها صندق النقد الدولي.
تشكل الأزمة الحالية تحدّياً جديداً ومصيرياً بالنسبة إلى حزب الله، وتضعه أمام خيارين: السير حتى النهاية في سياسته الحالية المعادية للولايات المتحدة، وبالتالي خسارة لبنان دعم الغرب المالي، أو القبول بتنحّيه عن الحياة السياسية في لبنان، ولو مؤقتا، لإفساح المجال للبنان للحصول على الدعم المالي، وهذا خيار صعب وباهظ الثمن، من الصعب أن يقبله الحزب. لذلك تشير كل الدلائل إلى عدم وجود حلول قريبة في الأفق، يمكن أن تخفّف ولو قليلاً من معاناة اللبنانيين.