لبنان.. الحرب مجدّداً؟

31 اغسطس 2019
الصورة
لا سؤال في لبنان، منذ نهاية الأسبوع الماضي، سوى "هل تقع الحرب مجدّداً؟". كل شيء يدلّ على أن الحرب واقعةٌ حتماً، سواء في التصريحات الإعلامية، أو في خطابات السياسيين، أو في التحرّكات العسكرية الحدودية، أو في استمرار تحليق الطائرات المسيّرة الإسرائيلية في الأجواء اللبنانية. كل شيء يدفع باتجاه حربٍ، رداً على اختراق طائرتين مسيّرتين الضاحية الجنوبية لبيروت، مساء السبت ـ الأحد الماضي. بمعزل عن تفاصيل الحدث بحدّ ذاته، هل يُمكن وقوع حربٍ؟
أي حربٍ يجب أن تأخذ بالاعتبار مستجدّاتٍ عدة تبدلت منذ عدوان تموز عام 2006، ومنها بند أساسي: اللجوء السوري. لا يمكن لأحد، تحديداً الأوروبيين، تحمّل أي خضّةٍ أمنيةٍ في لبنان. أي لجوء جديد للسوريين واللبنانيين والفلسطينيين من لبنان، يعني حتماً الترحال إلى القارّة العجوز، لا سورية، على غرار ما حصل عام 2006. الأمر مشابه تقريباً، لنوفمبر/ تشرين الثاني 2017، حين تمّ احتجاز رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري في السعودية، وكاد احتجازه أن يفجّر حرباً أهلية، لولا تدخل الأوروبيين لمنع وقوع الكارثة. اليوم، لا يمكن لأوروبا تحمّل تداعيات أي لجوءٍ جديد، وتركيا بنفسها تعمل على عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم.
أيضاً، تفيد الحسابات المنطقية بأن ما أرساه الأميركيون والروس في سورية، وخصوصاً في الجولان المحتلّ بين السوريين والإسرائيليين، وإعادة إحياء اتفاق فك الاشتباك الموقّع عام 1974، وحالياً ما يجري ترتيبه بين السوريين والأتراك في الشمال السوري، وإعادة إحياء اتفاق أضنة 1998 معدّلاً، تفيد بأن هذا كله سيفتح مجالاً لخطوة مماثلة في لبنان بين اللبنانيين والإسرائيليين، وإعادة إحياء اتفاقية الهدنة 1949 معدّلة أيضاً، غير أنه كعادة أي ملف، من المفترض خضوعه لما يمكن تسميتها "معمودية نار" لفرض قواعد اشتباكٍ جديدة، قد لا تلائم الطرفين المباشرين، لكنها لن تستدعي رفضهما لها. ويُمكن أيضاً قراءة مؤشرات احتمال نشوب حربٍ من عدمها، وفقاً لأولويات كل طرف. ماذا يريد الإسرائيلي مثلاً؟ يريد انتخابات كنيست تؤدّي إلى تشكيل حكومة، ويريد التجهيز لتمرير الشق السياسي من "صفقة القرن" (خطة الإملاءات الأميركية لتصفية القضية الفلسطينية)، وتحقيق أمن التنقيب عن الغاز في البحر المتوسط وتصديره. وفي العناوين السياسية، لا يريد أن تصبح إيران نووية ولا على حدوده، ولا أن يتشارك القدس المحتلة مع الفلسطينيين، ولا التخلّي عن بناء المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة، وتمتين علاقاته أكثر بالدول العربية.
في المقابل، ما هي أولويات حزب الله؟ حالياً، لا يريد سوى الداخل اللبناني الذي دائماً ما كان نقطة انطلاقٍ له، وأي خللٍ في القاعدة الأساسية يستجرّ خللاً في باقي المواقع. لا يستعجل الحزب الردّ على الإسرائيليين، لا بل سيحاول تحقيق ردٍّ يسمح بإبقاء الأمور على ما هي عليه، من دون الوقوع في حربٍ شاملة. لا يريد أكثر من تمتين قوته في المنظومة الدولتية، مساراً اعتمده منذ نحو عامين، عبر المشاركة في النظام اللبناني، مثل باقي الأحزاب، ووفقاً لمفهوم الحصص المعروف في البلاد، غير أنه، في الوقت نفسه، يدرك أن العقوبات الأميركية ليست تفصيلاً، وأنها مستمرّة بزخمٍ، حسبما ظهر في العقوبات الأخيرة على أحد المصارف اللبنانية، مساء الخميس الماضي. بالإضافة إلى ذلك، تجاوز الاشتباك الأميركي ـ الإيراني احتمال الصدام العسكري بينهما في انتظار تبلور صيغة التفاوض السياسي، وهو ما سينعكس حتماً على الحدود اللبنانية مع فلسطين المحتلة، كما سينعكس على ترسيم الحدود بين اللبنانيين والإسرائيليين، والمفترض أن يحصل قريباً.
يكفي فقط المقارنة بين صباح 12 يوليو/ تموز 2006 واليوم. في حينه، اختُطف جنديان إسرائيليان ثم تدحرجت الأمور إلى حربٍ مدمّرة. أما اليوم فحزب الله والإسرائيليون مرتبطان بمعادلات أكبر من الحرب بذاتها، وغير قادرين على التفرّد بها أو الاستئثار بقرارها.