لبنان.. الاشتباك الحتمي مع الإسرائيليين

17 فبراير 2018
الصورة
+ الخط -
لم تكن زيارة وزير الخارجية الأميركية، ريكس تيلرسون، لبنان، يوم الخميس الماضي، ولساعات قليلة، زيارة تقليدية. منح الرجل وقتاً أكثر لمضيفيه في مصر والأردن وتركيا والكويت. كانت الساعات القليلة التي أمضاها في لبنان بين قصر بعبدا الرئاسي ومقر رئيس المجلس النيابي في عين التينة - بيروت، والسراي الحكومي الكبير- بيروت، متمحورة حول إعادة تقديم المقترحات الأميركية في شأن المنطقة البحرية بين لبنان وفلسطين المحتلة. مقترحات متعلقة بالحقول النفطية، وسبق أن قدمها مبعوثون أميركيون سابقون.
ركّزت المقترحات على تقاسم المنطقة بين اللبنانيين والإسرائيليين، بما يفسح المجال لتداخل "حدودي" لا يدوزنه سوى الأميركيين بالذات، بوصفهم فريقا وسطيا بين الطرفين. إلا أن الرفض اللبناني لأي تنازل، على قاعدة أن "من يتنازل قليلا الآن سيتنازل كثيراً لاحقاً" كان حاسماً. تصرّف اللبنانيون على هذا الأساس. أرادوا كسب المعركة لصالحهم، مع ظهور مؤشرات أولية على عدم نية الاحتلال الإسرائيلي التصعيد على الحدود البرية، خصوصاً بما يتعلق بـ13 نقطة متنازعاً عليها، يقوم بإنشاء جدار حدودي على أطرافها.
هل يعني هذا أن لبنان "نجا" من أي توتر أمني حدودي أو أكثر؟ لا. بل على الأرجح إن تكريس المواقف في هذا الشأن، من دون تعديل أو إبداء أي أنواع من التنازل، من الجانبين اللبناني والإسرائيلي، سيؤدي الى صدام حتمي. فالنفط ليس مزارع شبعا، ولا حدود يمكن نسيانها فترة طويلة، باتفاق هدنة أو قرار أممي أو أمر واقع. النفط رأسمال، والرأسمال لا يمكنه الانتظار طويلاً، فالانتظار قاتل وهدر للاستثمار والأرباح، والشركات لن تستثمر، ما لم يكن هناك استقرار أمني.
كيف يمكن تأمين هذا الاستقرار في حال لم يتنازل لا اللبنانيون ولا الإسرائيليون، وفي حال لم تنجح لا الأمم المتحدة ولا الولايات المتحدة في أداء دور الوسيط، وفي حال ألحّت الشركات على الاستعجال، كي لا يصبح النفط في شرق المتوسط مجرد ثروة نائمة؟ من الصعب تصوّر سيناريوهات محدّدة. لكن من الوارد وفق مبدأ أن "هزة ما مطلوبة قبل تطبيق الحلول"، أن يحصل صدام أمني بين اللبنانيين والإسرائيليين يؤدي إلى تغيّر المعادلات، وفرض الحل النفطي، خصوصاً أن الجميع يريد الاستفادة من الذهب الأسود، في معادلة جديدة ترسي توازناً جديداً للقوى في الشرق الأوسط.
السؤال المطروح: أين تقف حدود أي صدام؟ في الواقع إن قراراً أممياً مشابهاً للقرار 1701 كفيل بوضع قواعد اشتباك جديدة، تمنع الإسرائيليين من الإطباق على أي جزءٍ من البحر اللبناني، كما تمنع اللبنانيين من الاستثمار فيه بالكامل. مع أن ذلك صعب تقنياً، إلا أنه يبقى من أكثر الحلول ترجيحاً. أما حسابات "النصر الكامل"، سواء للبنان أو لإسرائيل، فهو غير وارد في حسابات المجتمع الدولي، ولا حتى لدى الفريق الأقوى في الشرق الأوسط حالياً: روسيا.
على أن العامل الأهم في ملف النفط، خصوصاً لدى الشق اللبناني، هو ارتباطه بما يعدّ له في "صفقة القرن"، والتي باتت في مراحل تنفيذها، بعد إعلان القدس المحتلة عاصمة لإسرائيل، ثم توقيف المساعدات الأميركية لوكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، ثم بدء المفاوضات الثنائية والثلاثية والرباعية، لإقناع الفلسطينيين بهذا الحل، على أساس أن "ما يقبل به الفلسطينيون نقبل به".
هذا المزيج الفاقع من الوضعيات الجيوبوليتيكية لا يسمح بهامش مناورة واسع للبنان، فإما أن يقبل بالمطروح أميركياً أو الانتظار حتى حصول أمر ما، أو المواجهة. في الواقع، باتت فرص المواجهة أكبر بكثير، فزيارة تيلرسون كانت واضحة "الأميركيون غير قادرين على أداء أي دور في ظل الوضع القائم". بالتالي، كل يوم يمرّ هو يوم أقرب إلى الاشتباك العسكري مع الإسرائيليين، والذي بدوره سيرسم خريطة جيوسياسية جديدة، من البلوك 9 النفطي البحري في لبنان إلى العاصمة الإيرانية طهران.