لبنانيون يعرضون أغراضهم الخاصة للمقايضة بحفاضات وحليب ودواء

26 يونيو 2020
الصورة
يعيش البلد أزمة اقتصادية غير مسبوقة (إبراهيم شلهوب/فرانس برس)
دخلَ لبنان، اليوم، مرحلة هي الأسوأ في تاريخهِ، بعدما تخطَّى حجم الأزمة الاقتصادية والمالية والسياسية التي يعاني منها كلّ ما عرفه سابقاً، وبات مواطنوه يلامسون خطّ المجاعة والفقر المدقع. مرحلةٌ ستقرأ عنها الأجيال القادمة في كتبٍ ومقالاتٍ وأرشيفٍ، عنوانها الأبرز "لبنانيون يقايضون أغراضهم بطعام وحفاضات وحليب".

ووسط النفقِ المُظلِم، والمصيرِ الغامضِ لوطنٍ يُجلَد على أيدي حكّامهِ، تبقى المبادرات الفردية والإنسانية ميزة شعبٍ تليقُ به الحياة ولا يزال يتمسّك بإرادة العيش بتفاؤلٍ، هو الذي أمضى عمره يفتّش عن "حلوها" بعدما ذاقَ "مُرّها". ومن هذه المبادرات صفحة "لبنان يقايض" على فيسبوك، التي أنشأها المواطن اللبناني الكندي، حسن حسنة، قبل أقلّ من عشرين يوماً، وسرعان ما تحوّلت إلى ملجأ لكلّ محتاجٍ، يقايض عبرها أغراض "الأيام الجميلة" بالحصول على طعامٍ وموادٍ غذائية وحاجاتٍ أساسيّة له ولعائلتهِ، للصمودِ في ظلّ الانهيار المعيشي والمالي والاقتصادي والنقدي الحاصل.

فاطمة، مثلاً، عرضت أحذية أطفالها لمقايضتها بـ"3 كيلو رز وكيس مسحوق للغسيل"، بينما تبحث هَنا عن مقايضة ملابس لطفل يبلغ من العمر ثلاث سنوات بمواد غذائية تضمّ أيضاً الزيت. وطلبت "الزهراء" مقايضة أحذية أولادها ببحفاضات للأطفال. كذلك يبحث كثيرون عن مقايضة أغراضهم بالحليب والطحين والدواء. هذه عيّنة صغيرة من أشخاصٍ تبدّلت أولويّاتهم بفعل الأزمة الحادة التي يعيشها لبنان، وتخلّوا عن الكماليات للاستمرار.


واللافت أنّ الصفحة لم تعد تقتصر على مقايضة للحصول على مواد غذائية فقط، بل باتت مقصداً لمن يبحث عن أغراض بسعرٍ رخيص، ولو كانت مستعملة، فهناك شابة طلبت المقايضة على فستان زفافٍ لعرسها، لأن أسعار الفساتين باهظة في الأسواق. وهناك من يريد مقايضة ثياب، لم تعد مقاساتها تناسب أولاده، للحصول مقابلها على أخرى بمقاييس مناسبة لهم، وغيرها الكثير من الحالات الإنسانية.
يقول حسن حسنة، وهو مواطن لبناني يحمل الجنسية الكندية، ومؤسّس صفحة "لبنان يقايض" على فيسبوك، لـ"العربي الجديد"، إنّه مواطنٌ دفعته الحرب الأهلية في لبنان (1975 – 1990)، إلى الهجرة وترك البلاد، التي عاد إليها مرّات عدّة بعد عام 1990، لكن في كلّ مرّة كانت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية تسوء أكثر، فتجبره على المغادرة مجدداً بغصّة وحرقة قلب، إلى أن رجعَ إلى لبنان عام 2019، وبدأ يقوم بمبادرات فردية أو ضمن مجموعات، وصولاً إلى تأسيس صفحة "لبنان يقايض".
حسنة، الذي عمل مع الأمم المتحدة في مناطق النزاع، مثل العراق وليبيا وأفغانستان والسودان، يقول إنّ فكرة الصفحة جديدة على صعيد لبنان، لكنها مستهلكة في دول الخارج، وسبق أن أسّس واحدة شبيهة لها عندما كان في كندا وترك عمله. فهناك، على حدّ قوله، الكثير من الصفحات والمبادرات، مثل "Garage Sales"، التي يلجأ إليها أيّ شخص مقتدر أو صاحب أموال لبيع أغراض منزله أو قطع لم يعد بحاجة إليها. ومبدأ المقايضة متعارف عليه في الخارج، ونحن نحاول تطبيقه في لبنان، ولا سيما أنّ مصادر التبرّعات باتت شبه معدومة. فمن كان يقدّم المساعدات المالية في السابق، لم يعد يملك القدرة على تقديمها، سواء بسبب الأزمة الاقتصادية أو نتيجة القيود التي تضعها المصارف على حساباته، وتردّي الأوضاع التي أثّرت حتى على الأغنياء وهدّدت مصالحهم الخاصّة.
من هنا ولدت أيضاً فكرة المقايضة، التي تتيح للشخص في الوقت ذاته الاتكال على ما لديه.

وتستند مؤسسة "لبنان يقايض" إلى التعريف الموجود على الصفحة، وهو أنّ المقايضة هي من الأنظمة الاقتصادية التي كانت وما زالت تستخدم لتأدية العديد من الأغراض التجارية. وتحمل معاملات المقايضة في مضمونها تبادل المنافع، من خلال تبادل السلع أو الخدمات بين طرفين. وكانت المقايضة هي العملية السائدة للتبادل التجاري في حياة الناس قديماً، قبل استخدام العملات النقدية وظهور مفهوم البيع والشراء النقدي. وعلى الرغم من التطوّرات الكبيرة في العمليات الآلية والتجارية، إلّا أنّ مفهوم المقايضة ما زال مستخدماً في العديد من المعاملات المالية والتجارية.


ويلفت حسنة إلى أنّ التواصل يكون عبر صفحة "لبنان يقايض"، حيث يكتب الشخص المنشور الذي يريد، لكنه لا يُنشر تلقائياً، بل يمرّ على من يتولى إدارة الصفحة أولاً، للتأكّد منه، ولا سيما أنّ هناك حسابات بأسماء وهمية، تفضّل عدم الكشف عن هوياتها تفادياً للإحراج، ونحن نحترم ذلك ولا نمنع هؤلاء الأشخاص من المساعدة، لكننا نتأكد من النوايا ومما إذا كانت تصبّ في الإطار المُشار اليه أو كانت هناك غايات وأهداف أخرى غير سليمة. ويشير إلى "أنّنا اتخذنا من الحدت – سانت تيريز (محافظة جبل لبنان)، مركزاً لنا. مكتبنا مفتوح مرتين في الأسبوع، لاستقبال الناس الذين يريدون أن يقايضوا أغراضهم، وهناك شركات ديليفري يمكن أن تهتمّ بذلك، وفي بعض الأحيان نستعمل سياراتنا الخاصة لإيصال الأغراض".

ويشير حسنة إلى أنّ عدداً كبيراً من الأشخاص تواصلوا مع القائمين على الصفحة بهدف الحصول على مساعدات إنسانية، وخصوصاً صحية، كأدوية الأمراض المزمنة أو أدوية الأطفال. وأضاف: "نحن نفعل المستحيل للوقوف إلى جانب هؤلاء الأشخاص، بيد أنّ الهدف الأساسي من الصفحة هو المقايضة، ونحن لا نملك القدرة على تحويل هدف الصفحة لتصبح أقرب إلى جمعية خيرية. علماً أنّ هناك من يقايض بهدف الحصول على مواد غذائية، ليجمعها على شكل حصص ويوزعها على العائلات المحتاجة والفقيرة. وهذه مبادرات تبقى غير معلنة، فهدفنا ليس الإضاءة على الأشخاص وهوياتهم".
كذلك يلفت حسنة إلى أنّه بدأ بالإجراءات المطلوبة لتسجيل المؤسسة رسمياً في وزارة الداخلية، "فنحن نعمل على تطويرها وتوسعتها، لتطاول أصحاب المصالح والمؤسسات في إطار التبادل التجاري".