لا نولد نساء... بل نصبح كذلك

09 اغسطس 2015
الصورة
(القاهرة: دار روافد للنشر والتوزيع، 2014)
+ الخط -
الجسد ليس قطعة أثرية ثابتة، ولا حتى مكاناً قاراً للسكن الداخلي للإنسان الذي يجب أن يقضي فيه حياته "كقبطان في سفينته" كما يقول الفيلسوف الفرنسي، رينيه ديكارت، بل بالعكس، إنه في علاقة عناق مع العالم، حيث ينحت الجسد الطريق، ويستقبله بحفاوة عالم من الدلالات والقيم التي لا تتوانى في الانفتاح أمام مسار الإنسان.

لطالما شكل الجسد مادة للهوية على المستوى الفردي والجماعي. فبفضله نحن معترف بنا، ومحددون بانتماء اجتماعي، بجنس، بسن، بلون الجلد، وبخصلة فريدة من الإغراء. وفي إثر ذلك الإغراء تؤدي العولمة دوراً في تسليع الجسد، فتنطق أنشطتها العديدة لتشغل علاقات هذا الأخير بأجساد الآخرين والتمثلات والقيم والمتخيلات المتعارضة والمتصارعة اجتماعياً. ومن هنا جاء اهتمام السوسيولوجيا (علم الاجتماع) بالعلاقات الاجتماعية والفعل المتبادل بين الرجل والمرأة.

سبق وأن أشارت الباحثة المغربية، فاطمة المرنيسي، في دراساتها، إلى أن الفارق الجسدي بين المرأة والرجل هو أمر مكتسب فلا تولد المرأة أضعف من الرجل ولا العكس، بل تكتسب هذه الصفة بفعل الدلالات والرموز الاجتماعية، وهو ما تؤكده المفكرة الفرنسية "سيمون دي بوفوار" التي تقول: "لا نولد نساء، بل نصبح كذلك" والشيء نفسه بالنسبة إلى الرجل.

وفي هذا الإطار يحاول كتاب "سوسيولوجيا الجسد" لمؤلفه ديفيد لو بروتون، توضيح الخصائص البدنية والفكرية والمهمات الموكلة للجنس، والتي هي في رأيه خاضعة لاختيارات ثقافية واجتماعية، وليس لميل طبيعي يحدد مصير المرأة والرجل بيولوجياً. ولهذا فإن وضعية المرأة والرجل مبنية اجتماعياً وليست في الشكل الجسدي أصلا. وقريباً من هذا وارتباطاً به، توضح عالمة الاجتماع الأميركية "ماغريت ميد" في عملها "الجنس والمزاج عند ثلاثة مجتمعات بدائية" 1935، النسبية الثقافية لوضعية الجنس عند الذكر والأنثى، والصفات المعطاة لهما تبادلياً. وكانت قد حاولت من خلال دراسة ثلاثة مجتمعات في "غينيا الجديدة" أن تكشف "مساهمة بناء العقل في علاقته مع واقع الأحداث البيولوجية الجنسية"، إذ لم تلحظ الكاتبة عند قبائل "الارابيش" و"المندوكومور" (على الرغم من أن النساء والرجال يقومون بأعمال مختلفة) أي اختلافات في الطبع والمزاج بين الرجل والمرأة. وتقول الباحثة "كل فكرة عن وجود ملامح للهيمنة، البسالة، العنف، الموضوعية أو المرونة التي من شأنها أن تميز جنساً عن الآخر، كلها غير موجودة، بل بالعكس، المرأة هي الشريك والمهيمن والقوي، وهي من يقود السفينة داخل الأسرة. أما الرجل فهو الأقل قدرة، والأكثر انفعالاً".

وعلى الرغم من أننا نلاحظ اختلافات في القامة والوزن وفي طول العمر من جنس لآخر في المجتمع ذاته، إلا أن الأمر لا يتعلق بقانون مقدس في الحياة اليومية للأفراد، بقدر ما يتعلق بميولات. وبمعنى آخر، يتلقى الطفل أو الطفلة في مجتمعاتنا، تربية تُحدد مصيرهما من خلال المجتمع الذي فرض عليهما نسقاً في المواقف والذي يستجيب لتنميط اجتماعي مسبق. يؤكد هذا "إ.ج. بيلوتي" في دراسة له نشرت في ميلانو 1974 إذ يذكر وجوداً اختلافياً في التوظيف الاجتماعي، وهو يطبق على الفتاة والفتى، إذ يتم تشجيع المرأة على النعومة وفي المقابل تشجيع الرجل على الفحولة.

فالرجل يتمتع بالقدرة على تخصيب المرأة، في حين أن المرأة تعرف حيضاً شهرياً منتظماً، تحبل، تلد، وتُرضع فيما بعد. وهذه هي الخطوط النظامية التي تنسج حولها المجتمعات تصورها عن وضعية الرجل والمرأة، والمواصفات والقوانين التي ترسخ علاقتهما مع العالم، وكذا علاقتهما فيما بينهما. ويطرح لو بروتون هنا مثالاً حياً من مجتمع "النويير" وهي مجتمعات أفريقية، حيث النساء المنجبات، هن فقط من يستحقن لقب امرأة. أما العاقر فينظر إليها على أنها رجل، وفي هذه الحالة بإمكانها أن تتزوج امرأة، أو نساء عدة، إن هي تمكنت من دفع صداقهن. على أن يقوم رجل آخر بتخصيب الزوجات (أقرباء أو أصدقاء أو رجل من القبيلة) وهذا الرجل لن يلقب بوالد الطفل لأن المرأة العاقر في هذه الحالة هي من يلعب دور الأب، حيث تتمتع بكل السلطات التي تخولها لها هذه المهمة اجتماعياً.

من جهة ثانية يلعب الإشهار دوراً في تحديد مهمات الرجل والمرأة، حيث تظهر المرأة، غالباً، في وضعية تابعة أو مؤازرة للرجل، فنرى الرجل ذا القامة الطويلة يسهر على حماية المرأة سواء في الميدان أو الأسرة أو المجال العاطفي. ويرى تشارلي كوفمان، وهو مخرج سينمائي أميركي، أن الإشهار يظهر علاقة المرأة مع الأشياء على أنها خاضعة لحركات الملامسة، فهي تلمس بدفء ونعومة كبيرة قارورة عطرها أو قميص زوجها، "لقد أصبحت كل حركات جسدها طقوسية مثل الركبة المنحنية شيئاً ما، الرأس المائل، الابتسامة كلها أساليب للتعبير عن خضوع المرأة للرجل صاحب الوجود القوي".

ويضيف، أن إخفاء الوجه الضاحك بيد ناعمة والإغراء الذي يستدعي الرعاية والانتباه بإيماءة فقط، يبقى حركة إضافية للقبول، تغذي الفرحة والانفعال لدى الرجل، فالمرأة يمكن أن تكون مرنة وعاشقة بين يدي الرجل، فمثلاً يطعم الرجل المرأة التي تفتح فمها بلهفة للأكل، إذ إنها عادة طفلته المدللة أو لعبته المفضلة.

ويخلص الكتاب الى أن الخصائص المعنوية والبدنية التي يتمتع بها كل من الرجل والمرأة ليست مرتبطة بأوصاف جسدية، بقدر ماهي مرتبطة بالدلالات الاجتماعية التي تمنحها، وذلك من خلال المعايير التي تقضيها السلوكيات الاجتماعية ويفرضها مزاج المجتمع.

المساهمون