لا عدالة اجتماعية في طنجة

لا عدالة اجتماعية في طنجة

19 ابريل 2017
الصورة
مجتمع مهمش (مركز ابن بطوطة)
+ الخط -
قبل عام 2005، كانت طنجة مثل أية مدينة مغربية تقليدية، قبل أن تزدهر اقتصادياً وينزح إليها كثيرون. واليوم، تنقسم بين مجتمع مرفّه وآخر مهمّش

تشهد طنجة، القطب الاقتصادي الثاني بعد مدينة الدار البيضاء، نزوحاً داخلياً كبيراً، مما يؤدي إلى تفاقم المشاكل الاجتماعية. وزادت نسبة النزوح الداخلي بعد زيارة العاهل المغربي محمد السادس لها في عام 2005، وإطلاق الجماعة الحضرية المشروع التنموي الإصلاحي الأول لمدة ثمانية شهور، ثم مشروع التنمية الحضرية الذي استمرّ ثلاث سنوات، ثم مشروع طنجة الكبرى خلال السنوات الثلاث الأخيرة.

رافق الاستثمار العام في المدينة ظهور أحياء جديدة لجأ إليها الوافدون الجدد، إضافة إلى الاستثمار الخاص الذي استقطب عدداً من الأيدي العاملة في مهن لا تتطلب شهادات. واليوم، تشهد طنجة نمواً سكانياً في بعض الأحياء. وتتمتّع أحياء مقاطعة بني مكادة بخصائص ديموغرافية واقتصادية واجتماعية.



ويتحدّث رئيس مركز "ابن بطوطة للدراسات وأبحاث التنمية المحلية"، عدنان معز، عن نموّ الأحياء وموجات النزوح التي شهدتها المدينة منذ عام 1900. يقول لـ "العربي الجديد": "كانت طنجة في عام 1900 مثل أية مدينة تقليدية مغربية لا يتجاوز عدد سكانها الخمسة آلاف نسمة. بعدها، بدأت الأحياء تنتشر، فكان الحي الإسباني على مقربة من الكورنيش، ثم حيّ امْصلّى والحيّ الإسلامي على هضبة مرشان. وقبل انتهاء الحرب العالمية الثانية واستقلال المغرب، بدأت قبائل بني ورياغل والريف بالنزوح بفعل الجفاف والمجاعة في المنطقة، واستوطنت هذه القبائل في طنجة، وسكنت أحياء صفيحية تُعرف ببوخشاش".

يضيف معز: "تبنت الدولة سياسة ناجحة للقضاء على هذه الأحياء وبناء قطاعات سكنية، فكان حيّ الموظفين والبوغاز، وحيّ كاسبراطا. لكن بفعل النمو الديموغرافي السريع منذ سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، بفعل انتشار تجارة الممنوعات وقرب طنجة من أوروبا، بدأت رؤوس أموال تجارة المخدرات تغزو المدينة، وتصرف على شراء الأراضي والعقارات والمقاهي والأعمال التجارية، مما وفر فرص عمل أمام القبائل الوافدة والباحثة عن حياة أفضل. وظهرت أحياء عشوائية في مقاطعة بني مكادة وحارة السوسي وحومة اجزيري والجبل الكبير".

تعمل رغم صغر سنها (مركز ابن بطوطة)


وارتبط ظهور الأحياء قبل التسعينيات في طنجة بعوامل سياسية واجتماعية. ويقول معز إن "حارة صدام نشأت مع حرب الخليج في التسعينيات، أمّا حومة بن صلاح فظهرت بعد احتجاجات اجتماعية في المغرب، ويقدر عدد سكان طنجة اليوم بمليون نسمة تقريباً".

يضيف معز أنّه في عام 2005، شهدت المدينة نهاية الإقصاء السياسي، علماً أنّ الاستثمار الحكومي كان محدوداً فيها، وكانت تفتقر إلى مراكز صحية وأخرى للإيواء، فيما تحتاج طرقاتها إلى إصلاح. لكن بعد زيارة الملك، استفادت طنجة كثيراً على الصعيد التنموي، واستقطبت عدداً من المصانع. الأخيرة بدأت تطلب أياد عاملة بكفاءات وخبرات مهنية. لذلك، عمل فيها الوافدون من قبائل بني حميد، وبني سريف من منطقة شفشاون، وبني قرفاط من العرائش. أما النساء العاملات في المعامل، وهنّ الغالبية، فتطلبت مهنهنّ مهارات بسيطة.

في البداية، كان النزوح فردياً. يأتي شباب للعمل في المدينة، ثم تلتحق بهم عائلاتهم. لكن في الوقت الحالي، تأتي عائلات بأكملها إلى طنجة. وقد ساهم إيقاع الاستثمار السريع في غلاء الخدمات في المدينة، ما أدى إلى زيادة الفروقات الاجتماعية. وانقسمت المدينة إلى قسمين، غربي وشرقي. والفاصل بينهما هو طريق الرباط، بحسب معز. يضيف: "ساهم المسؤولون في هذا التقسيم"، لافتاً إلى أن منطقة شرق طريق الرباط تشهد بناء عشوائياً، وتعد المساحات الخضراء فيها قليلة، إضافة إلى ضعف البنية التحتية والمرافق الخدماتية. في حين تتوفر المساحات الخضراء للمواطنين في المنطقة الغربية، وتتوفر فيها المرافق الخدماتية والسياحية وفرص عمل أيضاً. وتختلف القدرة الشرائية وطبيعة الأسواق في قسمي المدينة.

وأدت التنمية غير العادلة، إضافة إلى سرعة ظهور الأحياء السكنية، بحسب معز، إلى "تفشي أحزمة الفقر، والهشاشة، والإقصاء الاجتماعي، ونمو التطرف، والجريمة المنظمة، والعصابات المروجة للمخدرات، وانعدام الأمن، وتفشي البطالة بين الشباب. احتقان هؤلاء الشباب في بيوتهم، نتيجة الضغوط الكثيرة، يدفعهم إلى سرقة الهواتف، أو تشكيل عصابات متخصصة في سرقة المصارف وغيرها".

ويرى معز أن طنجة باتت معقدة ومتشابكة اجتماعياً واقتصادياً، وتحتاج إلى سياسات حكومية جديدة، خصوصاً في المناطق المهمشة، بهدف تحقيق توازن بين جميع مكوناتها.